وهناك أنواع أخرى من الإطناب ، كما تقول في الشيء المستبعد : رأيته بعيني وسمعته بأذني ، وذقته بفمي : تقول ذلك لتأكيد المعنى وتقريره . وكقوله تعالى :
فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
[ النحل : 26 ] السقف لا يخر طبعا إلا من فوق ولكنه دل بقولهم ( من فوقهم ) على الإحاطة والشمول .
واعلم : أن الإطناب أرجح عند بعضهم من الإيجاز ، وحجته في ذلك أن المنطق إنما هو البيان ، والبيان لا يكون إلا بالإشباع والاشباع لا يقع إلا بالإقناع وأفضل الكلام أبينه .
وأبينه أشده إحاطة بالمعاني . ولا يحاط بالمعاني إحاطة تامة ، إلا بالاستقصاء والإطناب .
والمختار : أن الحاجة إلى كل من الإطناب ، والإيجاز ، ماسة : وكل موضع لا يسد أحدهما مكان الآخر فيه . وللذوق السليم القول الفصل في موطن كل منهما . ( 1 )
المبحث الثالث في المساواة
المساواة : هي تأدية المعنى المراد : بعبارة مساوية له « 2 » ، بأن تكون الألفاظ على قدر المعاني ، لا يزيد بعضها على بعض .
ولسنا بحاجة إلى الكلام على المساواة ، فإنها هي الأصل المقيس عليه ، والدستور الذي
هامش
( 2 ) . المساواة هي ما ساوى لفظه معناه بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر ، وهي نوعان :
الأول : مساواة مع الاختصار ، وهي أن يتحرى البليغ في تأدية المعنى أوجز ما يكون من الألفاظ القليلة الأحرف الكثيرة المعاني . كقوله تعالى :هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ. وكقوله تعالى :وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.
والثاني : مساواة بدون اختصار « ويسمى متعارف الأوساط » وهو تأدية المقصود من غير طلب للاختصار .
كقوله تعالى :حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ.
والوجهان في المركز الأسمى من البلاغة غير أن الأول أدخل فيها وأدل عليها .
والمساواة فن من القول عزيز المثال تشرئب إليه أعناق البلغاء لكن لا يرتقي إلى ذراه إلا الأفذاذ لصعوبة المرتقى ، وجلال المقصد ، والمساواة يعتبرها بعضهم وسطا بين الإيجاز والإطناب ، وبعضهم يدمجها ، ولا يعدها قسما ثالثا للإيجاز والإطناب .