الْمَعْلُومِ
.
خطبه / 1 / ص 42 فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ ، لَا يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ . فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ ؟ كَلَّا ، مَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً . إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ . وَمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ .
فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ ، وَأَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ . فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ ، وَأَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ ، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ، فَقَالَ :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
، قَذْفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ ، وَرَجْماً بِظَنٍّ غَيْرِ مُصِيبٍ ، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ ، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ ، وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ . حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ ، فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِيِّ إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ ، اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ ، وَدَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ ، وَأَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ ، وَأَوْطَئُوكُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَةِ ، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ ، وَحَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ ، وَدَقّاً لِمَنَاخِرِكُمْ ، وَقَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ ، وَسَوْقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ . فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً ، وَأَوْرَى