تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
مَا بَنَاهُ ، وَلَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ . هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ ، وَالْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وَعِزَّتِهِ . لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ ، وَلَا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ . خَضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لَهُ ، وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ ، لَا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَضَرِّهِ ، وَلَا كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ . هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا ، حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا . وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا . وَكَيْفَ وَلَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا ، وَمَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَسَائِمِهَا ، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا ، وَمُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَأَكْيَاسِهَا ، عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ ، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا ، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا ، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ وَتَاهَتْ ، وَعَجَزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً ، عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ ، مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا ، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا ! وَإِنَّ اللَّهَ ، سُبْحَانَهُ ، يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ . كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا ، كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا ، بِلَا وَقْتٍ وَلَا مَكَانٍ ، وَلَا حِينٍ وَلَا زَمَانٍ . عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الْآجَالُ وَالْأَوْقَاتُ ، وَزَالَتِ السِّنُونَ وَالسَّاعَاتُ . فَلَا شَيْءَ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ . بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا ، وَبِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا ، وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا . لَمْ يَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ ، وَلَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ
الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 16 | الشيخ علي المشكيني