فيختار الأشياء الممكنة ، وتقع إرادته على أشياء غير ممكنة ، مثل ان الانسان يهوى ان لا يموت . والإرادة أعم من الاختيار ، فان كلّ اختيار إرادة ، وليس كل إرادة اختيارا » . ( الفارابي ، رسالة المعلم الثاني في جواب مسائل سئل عنها ، ص 98 ) . وأصل الاختيار افتعال من الخير . ولذا قيل الاختيار ترجيح الشيء وتخصيصه وتقديمه على غيره ، وهو أخص من الإرادة والمشيئة . ( ر : لفظ الاختيار ) .
نعم قد يستعمل المتكلمون الاختيار بمعنى الإرادة أيضا حيث يقولون :
فاعل بالاختيار وفاعل مختار ، ولكن الاختيار لم يرد بمعنى الإرادة في اللغة .
وفرقوا أيضا بين الإرادة والشهوة ، فقالوا إن الانسان قد يريد شرب دواء كريه ، فيشربه ، ولا يشتهيه ، بل ينفر عنه ، وقد يشتهي ما لا يريده ، بل يكرهه ، ولهذا قالوا إرادة المعاصي مما يؤاخذ عليها ، دون شهوتها .
وفرقوا أخيرا بين الإرادة والمشيئة فقالوا : الإرادة طلب الشيء ، والمشيئة الايجاد ، ولكن المشيئة في الأصل مأخوذة من الشيء وهو اسم للموجود ، وكذلك الإرادة فهي تقتضي الوجود لا محالة . فلا فرق إذن بين الإرادة والمشيئة إلا بالنسبة إلى الإنسان ، لأن إرادة الانسان قد تحصل من غير أن تتقدمها إرادة اللّه ، ومشيئته لا تكون إلا بعد مشيئته . أما بالنسبة إلى اللّه فان الإرادة والمشيئة بمعنى واحد .
( ر : مقالنا في الإرادة ، دائرة المعارف ، المجلد 8 : بيروت 1969 ) 11 - والإرادة إذا استعملت في اللّه دلت على معنى سلبي ، وهو أنه تعالى غير مغلوب ولا مستكره ، أو على معنى ثبوتي ، وهو العلم ، أو صفة زائدة على العلم . والفلاسفة ، الذين يقولون إن إرادة اللّه ليست صفة زائدة على ذاته ، يقررون ان ارادته عين حكمته ، وحكمته عين علمه .
والإرادة حقيقة واحدة قديمة قائمة بذاته تعالى ، إذ لو تعددت إرادة الفاعل المختار لم يكن واحدا من جميع الجهات . وقد قال الحكماء :
إن إرادته تعالى هي علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد ، وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الأكمل ، وبكيفية صدوره عنه حتى يكون الموجود على وفق المعلوم في أحسن نظام من غير قصد ولا شوق ، ويسمون هذا العلم عناية . وهذا كله يدل على
المعجم الفلسفي — صفحة 61
مساهمون: جميل صليبا
ص٦١