يحدد معنى الإدراك ، فيطلقه على الإحساس وحده ، وحينئذ يكون أخص من العلم ، وقسما منه ، كما انّ بعضهم يوسع معناه ، فيطلقه على حضور صورة المشعور به في الشاعر ، أو يطلقه على الكمال الذي يحصل به مزيد كشف على ما يحصل في النفس من الشيء المعلوم من جهة التعقل بالبرهان . وهذا الكمال الزائد على ما حصل في النفس بكل واحدة من الحواس هو المسمّى إدراكا ( كليات أبي البقاء ) .
وكما يتناول الإدراك الحس والخيال والوهم والعقل ، فكذلك يتناول معرفة أعلى من المعرفة العقلية ، وهي المعرفة الحاصلة من الكشف الباطني ، فيقال إدراك الذوق وإدراك الحدس . قال الغزالي :
« وأما ما عدا ذلك من خواص النبوة انما يدرك بالذوق ، من سلوك طريق التصوف » ( المنقذ - ص 139 ) ، وقال أيضا : « بل الإيمان بالنبوة أن يقر باثبات طور وراء العقل ، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة ، والعقل معزول عنها ، كعزل السمع عن إدراك الألوان ، والبصر عن إدراك الأصوات ، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات » .
وفي اصطلاحات الصوفية ، الإدراك البسيط هو إدراك الوجود الحق سبحانه مع الذهول عن هذا الإدراك ، وعن أن المدرك هو الوجود الحق سبحانه ، والادراك المركب هو عبارة عن إدراك الوجود الحق سبحانه مع الشعور بهذا الإدراك ، وبأن المدرك هو الوجود الحق سبحانه ( كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ) .
والإدراك عند معظم الفلاسفة إما أن يكون إدراك الجزئي أو إدراك الكلي ، وإدراك الجزئي قد يكون بحيث يتوقف على وجوده في الخارج ، وهو الحس ، أو لا يتوقف ، وهو الخيال . وإدراك الجزئي على وجه كلي هو إدراك كليّه الذي ينحصر في ذلك الجزئي . أما إدراك الكلي ، فهو ان الأشخاص الانسانية ، مثلا متساوية في معنى الانسانية ، ومتباينة بأمور زائدة عليها ، كالطول والقصر ، والشكل ، واللون . ومما به المشاركة غير ما به المخالفة ، فالإنسانية من حيث هي هي تكون أمرا مغايرا لهذه الزوائد ، فإدراكها ، من حيث هي هي ، هو المسمّى بالإدراك الكلي ( لباب الإشارات للرازي ص 74 ) .
المعجم الفلسفي — صفحة 54
مساهمون: جميل صليبا
ص٥٤