وللتطور في الفلسفة الحديثة عدة معان :
الأول هو النمو ، والمقصود به ان ينتقل المبدأ الداخلي من حال الكمون إلى حال الظهور ، حتى يبلغ نهايته ، كمبدإ الحياة الذي ينمو وينبسط ، فيخلق في المادة أطوارا وصورا مختلفة ، كالنطفة ، والعلقة ، والمضغة ، والعظام ، والعضلات الخ . .
والثاني هو التبدل التدريجي البطيء بتأثير الظروف الخارجية .
والثالث هو التبدل الموجه إلى غاية ثابتة على مراحل متعاقبة يمكن تحديدها مسبقا .
والرابع هو الانتقال من البسيط إلى المركب ، ومن المتجانس إلى غير المتجانس ، أو من الأكثر تجانسا إلى الأقل تجانسا . وهو المعنى الذي ذهب إليه ( هربت سبنسر ) بقوله :
« التطور هو اتمام واكمال للمادة ، مصحوب بتبديد للحركة ، تنتقل المادة خلاله من حالة تجانس غير معين ، وغير ملتحم ، إلى حالة من اللاتجانس المعين والملتحم ، بحيث تخضع الحركة المتبقية فيه لتبديل مواز »
Premiers principes ch . XVII
فإذا دلّ التطور على نمو الفرد وانتقاله من نقطة الابتداء الوحيدة الخلية إلى سن الرشد الكثيرة الخلايا سمي بالتطور الفردي ، وإذا دلّ على تبدل النوع الواحد إلى أنواع كثيرة مختلفة سمي بالتكوين النوعي .
والتطور انما يكون بالتنوع ، فالخلية الأم تتكثر بالانقسام ، والخلايا المتولدة منها تتنوع ، وتصير ذات أحوال مختلفة وخلق متباينة ، وكذلك النوع المتجانس ، فهو يتكثر ، وتختلف أفراده بعضها عن بعض بتكيفها وفق شروط الوجود شيئا فشيئا . والتنوع يسير وتخصص الوظائف جنبا إلى جنب ، وكلما كانت الوظائف أكثر تخصصا كانت أكثر تضامنا .
وكل فيلسوف مؤمن بالتغير والارتقاء ، أو بالتنوع المصحوب بالتكامل ، أو باتصال الأكوان ، وتبدل الموجودات ، واستحالة الأشياء بعضها إلى بعض ، فهو فيلسوف تطوري .
إن أكثر العلماء يقولون اليوم إن معنى التطور يتضمن معنى الارتقاء . ولكننا إذا أردنا بالتطور مجرد التبدل لم نضمنه معنى الارتقاء ،