لأنه إذا كتب في كل يوم كتابا واحدا ، اجتمع من كتبه أكثر من هذه العدة المشار إليها ، وإذا نخلت وغربلت واختير الأجود منها إذ لا تكون كلها جيدة ، فيخلص منها النصف ، وهو خمسة أجزاء .
واللّه يعلم : ما اشتملت عليه من الغرائب والعجائب ، وما حصل في ضمنها من المعاني المبتدعة .
على أن الحريري ، قد كتب في أثناء مقاماته رفاعا في مواضع عدة فجاء بها منحطة عن كلامه في حكايات المقامات ، لا بل جاء بالغث البارد ، الذي لا نسبة له إلى باقي كلامه فيها .
وله - أيضا - كتابة أشياء خارجة عن المقامات ، وإذا وقف عليها :
اقسم ان قائل هذه ، ليس قائل هذه ، لما بينهما من التفاوت البعيد .
وبلغني عن الشيخ أبى محمد ابن الخشاب النحوي ، انه كان يقول :
« ابن الحريري رجل مقامات » اي : انه لم يحسن من الكلام المنثور سواها ، وان اتى بغيرها : لا يقول شيئا .
فانظر أيها المتأمل : إلى هذا التفاوت ، في الصناعة الواحدة من الكلام المنثور .
ومن أجل ذلك ، قيل : شيئان لا نهاية لهما ، البيان ، والجمال .
وعلى هذا : فإذا ركب اللّه تعالى في الانسان ، طبعا قابلا لهذا الفن .
فيفتقر - حينئذ - إلى ثمانية أنواع من الآلات :
النوع الأول : معرفة - علم العربية - : من النحو والصرف .
النوع الثاني : معرفة ما يحتاج اليه من - اللغة - : وهو المتداول المألوف استعماله ، في فصيح الكلام ، غير الوحشي الغريب ، ولا المستكره المعيب .
المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول — صفحة 313
مساهمون: الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني
ص٣١٣