« إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً »
« 1 »
.
إنّ هاتين الآيتين ( مع ملاحظة سيرة المسلمين المستمرة من عصر رسول الإسلام إلى هذا اليوم والمستقرة على حفظ هذه الآثار ، والمحافظة على البيوت المرتبطة برسول اللَّه وأهل بيته المطهرين وحراستها ) دليل واضحٌ وبرهان قاطع على كون هذا الموقف موقفاً إسلامياً ، وأصلًا شرعياً .
ولهذا تقوم مسألة تعمير مراقد الأنبياء - وبصورة خاصّة مراقد رسولِ اللَّه وعترتهِ الطاهِرة صلوات اللَّه عليهم - وبناءِ المساجد عليها ، أو إلى جانبها ، على أساس هذا الأصل الإسلامي .
الأصلُ الرابع والثلاثون بعد المائة : زيارة قبور المؤمنين
تُعتبر زيارةُ قبور المؤمنين ، وبخاصّة قبور الأقرباء والأبناء منهم ، من الأُصول الإسلامية التي تنطوي على آثار تربويّة في نفس زائريها ، وذلك لأنّ مشاهدة تلك الديار الصامتة التي يرقد فيها أُناس كانوا قبل ذلك يعيشون في الدنيا ، ويقومون بمختلف النشاطات ، ولكنّهم أصبحوا بعد حين أجداثاً خامدة ، وجثثاً هامدة ، جديرة بأن تهزَّ الضمير ، وتوقظ القلوب ، وتنبّه الغافلين ، وتكون درس عبرة لا ينسى .
فإنّ من يشاهد هذا المنظر سيحدّث نفسه قائلًا : وما قيمة هذه الحياة الدنيا التي سرعان ما تنتهي ، وتكون مآلُها موت الإنسان ورقوده تحت التراب .
هل يستحق العيش في مثل هذه الدنيا الفانية أن يقوم فيها الإنسانُ من أجله بأعمالٍ ظالمة ، وممارسات فاسدةٍ ؟
إنّ هذا التساؤل الذي يواجهه ضميرُ الإنسان المفكّر في مصير البشر ، سيدفع به إلى إعادة النظر في سلوكه وممارساته ، وسيؤدِّي ذلك إلى حصول تحوّلٍ كبيرٍ في روحه ونفسه .
وقد أشارَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الأثر الهامّ ، إذ قال في حديث شريف : « زُورُوا القبورَ فإنّها تذَكِّرُكُم بِالآخِرَةِ » « 2 » .
هامش
( 1 ) . الكهف / 21 .
( 2 ) . سنن ابن ماجة ج 1 ، باب ما جاء في زيارة القبور ، ص 113 .