أعظم من أمر الملائكة بالسجود له « 1 » وإن لم تكن تلك السجدة إلّا عبادة للّه وطاعة له ، كما أنّ الأمر بالتوحيد العبوديّ ، ومدار النهي عن الشرك العباديّ هو : الأمر بالسجود للّه ، والنهي عن السجود لغيره تعالى ، كما أنّ أساس عبادة الأشياء كلّها وطاعتها له تعالى هو : السجود حسبما دلّ عليه قوله تعالى
« وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ »
« 2 » .
ثمّ إنّ الاعتناء بأمر المعاد قد أوجب أن يستدلّ اللّه تعالى له تارة ، ويستشهد له أخرى ، ويمثّل له ثالثة .
أمّا الاستدلال : فهو المستفاد من غير واحدة من الآيات الدالّة على إطلاق القدرة من ناحية الفاعل ، وإمكان الإعادة كالبدء من ناحية القابل . وأمّا الاستشهاد : فهو المستنبط من غير واحدة من الآيات الدالّة على أنّ وزان الموت والبعث هو وزان النوم واليقظة ، نحو قوله تعالى
« وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
« 3 » . وأمّا التمثيل له : فهو ما تقدّم من تأويل السجود بأنّ الإنسان من تراب ، ثمّ يعود فيه ، ثمّ يبعث منه ، فالمصلّي الساجد للّه في كلّ ركعة مرّتين يتمثّل له المعاد الذي إليه يصير ، فمن عثر على سرّ الصلاة يقف على مواقف القيامة ويراها كأنها قامت ، وتدعو نارها من أعرض وتولّى ، فيجد ويجاهد ويجتهد في إخمادها ، كما هو المأثور عن الإمام زين العابدين - عليه السّلام - من وقوع حريق في حال صلاته عليه السّلام ، ولم يلتفت إليه حتّى فرغ من صلاته ، وقيل له عليه السّلام : ما الذي ألهاك عنها ؟ قال عليه السّلام : ألهتني عنها النار الكبرى « 4 » . والغرض : أنّ السجدتين تمثّلان للبدء والعود ، فتدبّر تجد سرّه .
وممّا يشهد للاستناد بالسجود في نيل الفضل الخاصّ من الجنّة والحشر مع أهل
هامش
( 1 ) طه : 116 .
( 2 ) النحل : 49 .
( 3 ) الأنعام : 60 .
( 4 ) مناقب آل أبي طالب : ج 4 ص 150 .