تعالى فلا معين إلّا هو ، ولذلك يناجي ربّه بقوله
« إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
بتقديم ما تقدّمه يفيد الحصر ، وحيث إنّ اللّه سبحانه معين من استعانة فيعينه بما استدعاه ، ويهديه إلى صراط الّذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، فهؤلاء الّذين هم على الصراط المستقيم - وهم المنعم عليهم - هم الّذين يعبدون اللّه سبحانه ويناجونه ، والمصلّي يرى نفسه معهم ، وهم الّذين لم يخلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا ، بل هم الّذين خلصوا من دم الإفراط ، وروث التفريط ، ونجوا من الغضب والضلالة ، وقالوا : ربّنا اللّه واستقاموا ، فتتنزّل عليهم الملائكة المبشّرات .
والمصلّي إذا نجا من جانبي الغضب والضلال ومشى على الصراط السويّ وأخلص عبادته للّه تعالى يأتيه اليقين ، أي : عين اليقين ، فيشاهد ما فهمه بالبرهان ، ويجد ما وعده القرآن بقوله تعالى
« وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ »
« 1 » ، إذ المراد من الآية : هو بيان الفائدة ، لا الغاية ؛ لأنّ معناها : أنّ من بركات العبادة وفوائدها هو : حصول اليقين ، لا أنّ المراد منها هو تحديد العبادة وتعيين حدّها به ، بحيث إذا حصل اليقين ما زالت الحاجة إلى العبادة ، بأن تكون العبادة بمنزلة النعلين ، حتّى إذا بلغ السالك إلى الوادي المقدّس - اليقين - يلزم خلعهما ، بل العبادة بمنزلة المقدّمتين للنتيجة ، والمرقاة للصعود إلى الدرجة الراقية ، بحيث يلزم حفظ المقدّمتين للنتيجة حدوثا وبقاء وكذا صون السلّم للصعود ، حتّى إذا زالت المقدمتان زالت النتيجة ، وإذا سقط السلّم هبط الصاعد كهبوط الشيطان المرجوم بقوله تعالى :
« فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها »
« 2 » .
ثمّ إنّ المصلّي المناجي ربّه قد يكون نجواه بلا وسيط من حجاب أو رسول ، وقد يكون من وراء حجاب ، وقد يكون بوساطة رسول ، كما أنّ اللّه تعالى المتكلّم لعبده لا يكلّمه إلّا بأحد الأنحاء الثلاثة حسبما أفاده في سورة الشورى ، حيث قال تعالى :
هامش
( 1 ) الحجر : 99 .
( 2 ) الأعراف : 13 .