أصوبكم عملا ، وإنّما الإصابة خشية اللّه عزّ وجلّ ، والنيّة الصادقة والحسنة ، ثمّ قال : الإبقاء على العمل حتّى يخلص أشدّ من العمل ، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا اللّه عزّ وجلّ ، والنيّة أفضل ، ألا وإنّ النيّة هي العمل ، ثمّ تلا قوله تعالى
« كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ »
يعني : على نيّته « 1 » . ومن هنا يظهر الجمع بين الأصل الحاكم بأنّ : « أفضل الأعمال أحمزها » « 2 » ، وبين الأصل الحاكم بأنّ : « نيّة المؤمن خير من عمله » ؛ لأنّ النيّة حيث كانت روح العمل ولبّه ومغزاه كانت أفضل منه ، كما أنّها لا بدّ وأن تكون خالصة ، إذ الرياء المتمشّي في العمل لا يتطرّق إليه إلّا من طريق النيّة فحسب ، وتحصيل الإخلاص في النيّة أحمز وأصعب ، لذا تكون أفضل من العمل .
وأمّا سرّ كون نيّة الكافر شرّا من عمله فلأنّ النيّة هي الأصل كما مرّ ، والأصل الذي به يتقوّم الفرع وعليه يتّكئ الغصن ، وإليه يرجع ما عداه أهمّ ، سواء في طرف الخير أو الشرّ .
والنيّة لمّا كانت أمرا قلبيّا لا يطّلع الناس عليها لا يتطرّق إليها الرياء والسمعة ونحو ذلك ؛ لخروجها عن مرأى الناس ومسمعهم ، والعمل لكونه مرئيّا أو مسموعا قابل لأن يتسرّب إليه الرياء ، ولذا قد علّل في العلل حسبما رواه زيد الشحّام ، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - كون « نيّة المؤمن خير من عمله » « 3 » بذلك ، ولكنّ التأمّل فيما تقدّم يوضّح المراد ، إذ الرياء لا يسري إلى العمل إلّا من طريق النيّة ، وهي - أي :
النيّة - لمّا كانت مستورة عن أعين الناس وإسماعهم تنزّل بلباس العمل وتكتسيه ، حتّى تصير مرئيّة أو مسموعة .
ولمّا كان العقل العمليّ - بما له من الشؤون والآثار : كالإرادة والإخلاص ونحو ذلك - نور يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان فإذا كان ذلك النور مضيئا بلا انطفاء ولا انخساف حصل الإيمان والإخلاص ، وإذا كان منخسفا بطوع الهوى حصل
هامش
( 1 ) جامع أحاديث الشيعة : ج 1 ص 360 و 366 .
( 2 ) مجمع البحرين : ج 4 ص 16 .
( 3 ) جامع أحاديث الشيعة : ج 1 ص 360 و 366 .