ولمّا لم يلزم أن يكون البدل كالمبدل كمّا وكيفا لم يلزم في التيمّم مسح الرأس ، كما لم يلزم مسح الرجل أصلا ، لا لأنّ وضع التراب على الرأس من علامة الفراق ، والمقصود بالصلاة : الوصلة والوفاق كما أفاده بعض الأعاظم « 1 » رحمهم اللَّه ؛ لانتقاضه بالرجل ، حيث إنّ وضع التراب عليه ليس علامة للفراق ، ولم يكلّف في التيمّم ، مع أنّ أصل المقال غير خال عن الخيال ؛ لعدم الدليل العقليّ أو النقليّ المعتبر على كون وضع التراب على الرأس أمارة للفراق .
ولمّا اعتبر في الصلاة الجمع بين طهارة الظاهر ونزاهة الضمير حكم بأنّه لا تجوز الصلاة حتّى يطهر خمس بالماء ، والقلب بالتوبة « 2 » ، والمراد من التوبة : هو الرجوع إلى الطاعة من المعصية ، وإلى التولّي من التبرّئ ، وإلى الحقّ في ما سواه ، وإلى الوحدة من الكثرة و .
وممّا تقدّم يمكن لك كشف سرّ لزوم الطهارة عن الخبث ، وإزالة النجاسة عن البدن والثوب والمسجد ونحو ذلك ، وهكذا سرّ لزوم حلّيّة اللباس والمكان عن تعلّق حقّ الغير ، إذ المخاطب بتأدية حقّ الغير مشغول الهمّ ، وليس بفارغ البال حتّى يتكلّم ويناجي ربّه ، فضلا عن أن يناجيه ربّه .
كما أنّ بالتأمّل فيما مضى يمكن استكشاف سرّ الوقت واستقبال القبلة ، وأنّ المعبود لا صباح عنده ولا مساء له ، ولذا صلّى رسول اللَّه - صلّى اللَّه عليه وآله - صلاة الظهر في المعراج ، مع أنّه كان في الليل ؛ لأنّه عقيب الإسراء الذي كان في بضعة من الليل ، كما قال تعالى
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ »
« 3 » . كما أنّ المعبود سبحانه أيضا لا اختصاص له بجهة دون جهة ، كما قال تعالى
« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
« 4 » .
هامش
( 1 ) هو القاضي سعيد القمّي - رحمه اللَّه - في أسرار العبادات ص 21 طبع الجامعة .
( 2 ) جامع أحاديث الشيعة : ج 5 ص 26 .
( 3 ) الإسراء : 1 .
( 4 ) البقرة : 115 .