الربّ لا بدّ وأنّ يكون مغسولا بماء يجري من ساق العرش ، أو نازلا منه ، وأنّ اليدين اللتين تلقيان كتاب اللَّه وكلامه لا بدّ وأن تكونا مغسولتين بذلك الماء الجاري أو النازل منه ، وأنّ الرأس المبارك ببركة اللَّه ، وكذا الرجلين اللتين تطئان موطئا مباركا لا بدّ وأن يكون كلّ ذلك ممسوحا ببلل الوضوء الحاصل من ذلك الماء .
ولا مرية في الفرق بين السرّ والحكمة والأدب ، إذ السرّ هو الوجود الغيبيّ للوضوء كما في العرش ، والحكمة هي الفائدة المترتّبة عليه كما أشير إلى شطر منها في حديث المعراج ، والأدب هو وظيفة المتوضئ للصلاة من رعاية الإخلاص ونحوه ؛ لأنّ المشوب غير طاهر ، واللازم هو الطهارة الخالصة حتّى عن شهود الإخلاص ؛ لأنّ من أخلص للّه وشاهد إخلاصه فليس بمخلص ، كما أنّ من أخلص لتنفجر ينابيع الحكمة من قلبه فهو بعد ليس بمخلص ، حيث إنّه نوى غير اللَّه ، وقصد أمرا سواه وهو انفجار ينبوع الحكمة ؛ لأنّ المتطهّر المخلص لا يرى غير اللَّه ، فضلا عن أنّه لا يقصد غيره ، وإلّا لما كان متوجّها إلى عظمة اللَّه فقط ، حسبما تقدّم في حديث المعراج .
ولمّا اتّضح سرّ الطهارة المائيّة وهكذا حكمتها يتبيّن لك الأمر في الطهارة الترابيّة ، وأنّ أقصاها التذلّل لدى العزّة المحضة ، والتخضّع في ساحة الكبرياء الصرف ، والتخشّع عند القدرة المطلقة ، نحو ما ورد في حكمة تروك الإحرام من رجحان كون الحاجّ والمعتمر أشعث وأغبر ، ولذا قال اللَّه تعالى في حكمة الطهارة الترابيّة كالمائيّة
« ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
« 1 » ، إذ الطهارة الظاهريّة الحاصلة بالماء المذهب رجز الشيطان حسبما في قوله تعالى : « .
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ
. » « 2 » وإن لم تحصل بالتراب ولكنّ التذلّل العبوديّ يحصل به كما يحصل بالماء ، فالتراب والماء من هذا الحيث سواء .
هامش
( 1 ) المائدة : 6 .
( 2 ) الأنفال : 11 .