شرح
لمجرّد مقدمات الحكمة لكان بالإمكان أن يراد واقعاً من النفي ما لا يشمله ؛ لأنّ إرادة المقيّد عند ذكر المطلق ليس مستهجناً عرفاً وإن كان على خلاف الطبع ، مع أنّنا نلاحظ الاستهجان في المقام لو كان المراد من النفي ما لا يشمل عين النجس .
فوزان قولنا : « إذا كان الماء قدر كرٍّ لم ينجِّسه شيء » وزان قولنا : « إذا أراد زيد أن يسافر فلا يحول دونه شيء » ، فكما أنّه من المستهجن عرفاً أن يقول صاحب القول الثاني بعد ذلك : إنّي كنت أريد بذلك أنّه لا يحول دون خروجه قطرات المطر المتقطّعة ، لا المطر الشديد كذلك من المستهجن أن يقول صاحب القول الأوّل بعد ذلك : إنّي كنت أريد بذلك أنّه لا ينجّسه المتنجّس ، لا أعيان النجاسات . وكلّما كان الإطلاق والشمول بملاك الظهور العرفيّ على هذا النحو كان التعليق وارداً على المطلق فلا يدلّ المفهوم إلّاعلى قضيةٍ جزئية .
وبإمكانكم - على ضوء النكات التي ذكرناها - أن تطبِّقوا تلك الموازين على سائر الأمثلة المماثلة لمحلّ الكلام ، فقد يقول القائل مثلًا : « إذا جدّ زيد في درسه فلا يفوقه أحد » ، وقد يقول : « إذا كنت غنياً فأكرم كلّ عالمٍ مهما كان عمره » وقد يقول : « إذا كنت غنيّاً فأكرم العالم » .
ففي القول الأوّل يدلّ المفهوم عرفاً على أنّ زيداً إذا لم يجدَّ في درسه فسوف يفوقه أحد ، لا أنّه يفوقه كلّ أحد ، وهذا يعني أنّ التعليق طرأ على المطلق .
والوجه فيه : أنّ الإطلاق هنا له قرينة عرفية خاصّة ، وليس ثابتاً بمجرّد مقدمات الحكمة ، إذ لا يحتمل عرفاً اختصاص كلمة « أحد » - المذكورة في طرف الجزاء - بخصوص العاديِّ من الناس ، بحيث لو كان القائل يريد بكلامه السابق أنّ زيداً إذا جدّ في درسه لا يسبقه الأغبياء من الناس لمَا كان كلامه عرفياً . وما دام الإطلاق مدلولًا لقرينةٍ خاصةٍ فيكون التعليق وارداً عليه ، كما هو الحال في أخبار الكرِّ .
وفي القول الثاني يدلّ المفهوم على أنّ من لم يكن غنياً لا يجب عليه إكرام