وعاشرها : أنا نرى اختلاف الإنسان بحسب اختلاف صفاته النفسانية ، فإن شكله وصورته حال استيلاء الغضب ، يخالفان حال الغضبان ، وكذلك القول في الشهوة والفرح والغم ؛ فثبت بهذا أن صورة الإنسان وحركاته تختلف عند اختلاف تصوراته النفسانية ، بتأثيرات قوية في الآثار .
المقدمة الثانية : أنا نرى هذه التأثيرات مختلفة بالقوة والضعف ، فكما إننا نشاهد إنسانا يضعف فيه هذا النوع من التأثير ، حتى يقوى على ما عجز عنه غيره ، وإذا بيّنا هاتين المقدمتين فلنرجع إلى المطلوب .
فنقول : إن قوة النفس على الإتيان بالفعل الخارق للعادة قد تكون فطرية وقد تكون كسبية .
أما الفطرية : فتقرير القول بها موقوف على مقدمة ، وهي : أن النفس هل هي جوهر قائم بالنفس أو هي عبارة عن هذا المزاج المخصوص فقط ؛ فإن قلنا بالأول ، فلا يمتنع أن تكون نفس الإنسان مخالفة بالماهية وهو الحق .
أما إذا قلنا بالهيئاتية ، فلا شك أنها مختلفة بسبب الأعراض النفسانية ، فلا بد أن تختص بعض الأنفس بمزاج مخصوص يكون آلة لها في الأفعال الخارقة للعادة ، أو تكون بعض الأعراض النفسانية المختصة بها ، تقويها على تلك الخوارق ، فإنه إذا تجلّى لتلك النفوس نور عالم الغيب قويت على ما لم تقو عليه سائر النفوس . وهو المراد من قول إمام الأئمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) : واللّه ما اقتلعت باب خيبر بقوة جسدية ، ولكن بقوة إلهية .
فأما إذا قلنا بأن النفس ليست إلا المزاج المخصوص ، فلا شك أن الأمزجة مختلفة ، فلا يبعد وجود مزاج عجيب يقوى صاحبه على ما يعجز عنه غيره ، فثبت بما ذكرنا أن الاستبعاد في ذلك . أما الجرم بوقوعه ، فمما لا يعرف إلا بالمشاهدة ، هذا كله إذا كانت قوة النفس على فعل هذه الخوارق فطرية .
وأما إذا كانت كسبية ، فنقول إن اكتساب هذه الحالة مبنيّ على حالتين :
الحالة الأولى : أمور غير كسبية ، وهو اعتبار حال الطالع ، وذلك لأن كل
كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية — صفحة 31
مساهمون: عمر بن مسعود بن ساعد المنذري
ص٣١