الفصل الثاني في اختلاف ألوان كسوف القمر
اللون كيفيّة في سطح الجسم الملون به تدركها حاسة البصر ، وحاسة البصر السليمة من الآفات تدرك محسوساتها بالضياء ونفوذه في المشف المتوسط بينها وبينها فإنه الحاصل للألوان وهيئات الأشكال إلى الرطوبة الجليدية من رطوبات العين حتى يحس بها من ورائها ، وكيفية ذلك متعلقة بمباحث خارجة عن هذه الصناعة ويعرض للضياء في امتداده المستقيم ما يكسر استقامته بالعكاس نحو جهة المجيء أو انعطاف في خلاف تلك الجهة يحصل منها الزيادة والنقصان في مقدار المبصر أو إدراكه في غير موضعه الذي هو فيه .
وإذا كان ذلك بثلاثة أشياء فتغير الألوان بحسب الحالات التي تحدث في كل واحد منها أو في جميعها ، فربما تغيرت يحسب تغير يحدث في التلوين كما تتناوب الخضرة والصفرة والحمرة والسواد في التمرة أو غيرها من الثمار ، وربما تغيرت بحال في المشف عارض سواء كان هواء أو ماء أو غيرهما من صفاء وكدورة وغلظ ورقة ، وربما تغيرت من جهة الضياء الواقع عليها كالنيلوفر يرى اكهب في شعاع الشمس وأحمر في ضوء الشمعة ، وربما تغيّرت بكثرة الضياء وقلّته فلون الأرض والحيطان بالصبح خلاف لونها بالظل وربما تغيرت من متوسط عنه ينكس حاملها وربما وجد فيها شيء من ذلك بالوضع وبالقياس إلى الغبر والضياء المدرك به القمر لمحاذاة الشمس على مثال الواقع على الأرض أو الجدار وإشراقهما به ثم عودهما إلى حالهما عند انقطاع الضوء .
وقد تخيّل أرسطوطالس في القمر ضوء ما غير ما يصل إليه من الشمس بدليل أنه لو لم يكن كذلك لما أدرك في وسط الكسوف التام ، وذلك محتمل غير أنه ليس بواجب من أجل أن بما يحيط المخروط الظل مشوب من نور وظلام ، ويزداد ذلك فيه على طول الامتداد فليس يمتنع أن يبلغ ذلك الشوب إلى سهمه بسبب اقتراب انقطاعه عند رأس المخروط فيكون جرم القمر لذلك غير خال عن ضوء ما واصل إليه كما أن ما رآه ارسطوطالس ممكن فيه وقد يرى جرمه بالكلية عند استهلاله وهو ابن ليلتين أو ثلاث ، فإنه حينئذ أبعد من الضياء منه في الكسوف ، والمنجمون ذهبوا في ألوان الكسوف إلى مجرد القياس دون الاستعانة بالواقع منها في الإحساس ووضعوا أن الكسوف سواد حاصل بالغيبة عن ضوء الشمس ، فوجب أن ذلك السواد كلما كان أبعد من الضوء كان أصدق وإذ كان هذا البعد والقرب