الباب الخامس في عرض القمر
لسائل أن يسأل عن سبب التساهل في الكسوفات المتقدّمة وإقامتنا فلك البروج فيها مقام الفلك المائل في أوقات أوساطها ، فليعلم أن أحوال القمر بل جميع المتحركات العلوية لا تستطاع إدراكها دفعة وإنما يتغير على شيء منها فيوجد أولها بالجليل من الأمر والتقريب من الحق ويتدرّج منه إلى الثاني على مثال تلك الحالة ثم يعاد به إلى الأول فليعمل ثانية ليدقّ ويتناول الثاني شيئا من تلك الدقّة ويتدرّج بهما إلى الثالث ثم يرجع منه كذلك إلى المبدأ ولا يزال يفعل ذلك ، وهذا ما في وسع المجتهد ، ثم نقول في الجواب عن سؤاله إن مدار الأمر في تلافي ذلك على عرض القمر والجزئي منه يستخرج من كليه كما تقدّم استخراجه في ميول الدرجات وعروضها ، ولم يقع على مقدار أعظم عروض القمر اتفاق إلى الآن فإن الهند مطبقون فيه أنه أربعة أجزاء ونصف جزء ، وبطليموس يذكر أنه وجده خمسة أجزاء وهو في زيج حبش الحاسب أربعة أجزاء ونصف وسدس وعشر ، واستناده في جميع أعماله إلى أرصاد بني موسى ، ولم يتفق لي فيه أدنى شيء يستعان به على تعرف الحال ، وأما المستريحون عن متاعب الاجتهاد المنفرعون للهزو بالمجتهدين والعناد فإنهم لقبوا ما في زيج حبش منه عرضا متوسطا يعنون بين رأي الهند ، وبطليموس لما لقبوا وجفود سليمان بن عصمة للميل ميلا متوسطا عنوا فيما بين رأي يحيى بن أبي منصور ، وبني موسى ، ووصفوهم بما نزّههم اللّه عن مثله .
فأما مأخذ عرض القمر فسبيله سبيل ميل الشمس بالحلقات وما قام مقامها إلّا أن بطليموس ، استعمل بدلها ذات الشعبتين فإن شعبتها كقطر الحلقة ولكن الأقطار خطوط موهومة لا توجد إلّا في حوامل من الأجسام هي المساطر فركب إحداهما على الأولى الملصوقة على خط نصف النهار تركيبا قائما عليه ثابت الوضع ، وركب وسط الثالثة على وسط الثانية بقطب يدور عليه في سطح فلك نصف النهار وعلى الثانية نحو طرفيها هدفتان