إلى فمي لأقبّله . فشممت منه رائحة ما شممت قط أطيب منها ! . وناداني أبو محمد : يا عمّتي ، هلمّي فتاي إليّ . . فتناوله وقال : أنطق . . وفعل كما فعل أولا . ثم تناولته وهو يقول : يا بنيّ ، أستودعك الذي استودعته امّ موسى . كن في دعته وستره وكنفه وجواره . وقال : ردّيه إلى أمه يا عمّة ، واكتمي خبر هذا المولود علينا ، ولا تخبري به أحدا حتى يبلغ الكتاب أجله ، فأتيت أمه وودّعتهم « 1 » . . ( أي لا تخبري من لا تثقين به . . ثم قالت مرة أخرى : )
دخلت دار أبي محمد ، فإذا مولانا صاحب الزمان يمشي في الدار . فلم أر وجها أحسن من وجهه ، ولا لغة أفصح من لغته ! . وقد ابتسمت بسخرية حين سئلت يوما : هل كان لابن أخيك العسكريّ ولد ؟ . وقالت : إذا لم يكن للحسن عليه السّلام عقب فمن الحجة من بعده ؟ « 2 » ! . قالت ذلك ككلّ اثني عشريّ يعترف بالوحدانية والنبوّة والولاية للأئمة حتى القائم عليه السّلام .
وحكيمة هذه ، كانت قد طلبت من ابن أخيها العسكري عليه السّلام أن يقدّم اللّه موتها على موته ، فكان لها ما طلبت . وقيل إن أمّ المهديّ عليه السّلام طلبت ذلك منه لما رأت من ظلم الحاكم وضيق السجن ، فدعا اللّه فجعل منيّتها قبل منيّته ، وماتتا في حياته رضوان اللّه عليهما « 3 » . وفي ذلك لطف من اللّه تعالى بهاتين السيدتين الكريمتين اللّتين لو مات العسكريّ عنهما للحق بهما الهوان من خلفاء السوء لما فعلوه من انتهاك حرمة بيته بعد وفاته . .
هذا ، وإلى القارئ شهادات أخرى عن مولده ، ووجوده ، تقطع الشك وتوجب الجزم عند كل مكابر أو مستهجن ، لأن ولادته أمر مفروغ منه لدى كل من يلقي السمع وهو رشيد :
هامش
( 1 ) أنظر الغيبة للطوسي ص 143 والبحار ج 51 ص 18 و 293 ومثير الأحزان ص 296 .
( 2 ) إلزام الناصب ص 94 و 101 والذي سألها هو أحمد بن عبد الله الهاشمي .
( 3 ) راجع البحار ج 51 ص 5 ومنتخب الأثر ص 345 والمحجة البيضاء ج 4 وكشف الغمة ص 290 وص 267 القسم الأول منه .