جميعا قد حدّثوا غيرنا ، وحدّثوهم عن زماننا ، تماما كما خاطب القرآن الناس كل الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة ، فمثل لفظة : الدابّة ، جاءت في القرآن الكريم لفظة : الأنعام ، التي فهمها أهل الزمن القديم دوابّ نأكل من لحمها ، وننتفع بركوبها : كالغنم والمعز والبقر والخيل والبغال والحمير وغيرها . ولكن القرآن الكريم ذكرها وذكر شيئا يلفت النظر إلى ما يشبهها ويقوم مقامها في مجال الركوب والنقل ، مما يتيح لنا أن نفسّر الآيتين الكريمتين التاليتين تفسيرا جديدا ، حيث قال اللّه تعالى :
وَالْخَيْلَ
- أي خلقها -
وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً ، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ، وَمِنْها جائِرٌ ، وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
« 1 » .
فما معنى :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ .
ومعنى :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ؟ .
ثم ما معنى :
وَمِنْها جائِرٌ ؟ .
وأخيرا ما معنى :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
في سياق الخلق والكشف عمّا يخلق ؟ .
لقد هداني اللّه تعالى إلى تفسير هاتين الآيتين تفسيرا موضوعيا لم يتسنّ لمن سبقني إيراد مثله لتعذّر وسائل الشرح والإيضاح . فقد قال تبارك وتعالى :
وَيَخْلُقُ :
أي يوجد بهدايته وقدرته ما لا تعلمون له اسما ولا رسما ولا شكلا من وسائل الركوب ، كالسيارات والطائرات بأنواعها ، وكجميع وسائل النقل الحديثة التي يتوفّر بها قصد السّبيل
وقصد السبيل هنا ، هو تقصير الطّرق وتسهيلها وتقريبها ، وذلك من قوله عزّ وجلّ :
لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ ، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ
« 2 » . يعني : لو كان سفر المنافقين معك قاصدا أي سهلا أي سهلا قريبا لنهضوا معك ، ولكن بعدت عليهم المسافة وتصوروا المشقة والتعب . . وهو أيضا من قول أهل اللغة : قصد في الأمر : ضد أفرط ، وقصد في سيره : مشى مستويا . .
ولا يكون ذلك إلا بواسطة السرعة التي تقصّر وتسهّل وتمتاز بها وسائل النقل الحديثة أي - دوابّ وأنعام - هذا العصر التي إذا مشت على الأرض تدب على أربع ككل دابة .
هامش
( 1 ) النحل - 8 / 9 .
( 2 ) التوبة - 42 .