وأنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، أنفسهم منهم في عناء والناس منهم في راحة ، فهم الكاسة الألبّاء ، والخالصة النجباء ، وهم الروّاغون فرارا بدينهم ، إن شهدوا لم يعرفوا ، وان غابوا لم يفتقدوا ، أولئك شيعتي الأطيبون ، وإخواني الأكرمون ، ألا هاه شوقا إليهم .
181 - عن أبي الجارود « 1 » ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
« 2 » . قال : قال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام : ليس عبد من عبيد الله ممّن امتحن الله قلبه للإيمان إلا وهو يجد مودّتنا على قلبه فهو يودّنا ، وما عبد من عبيد الله ممّن سخط الله عليه إلا وهو يجد بغضنا على قلبه فهو يبغضنا ، فأصبحنا نفرح بحبّ المحبّ لنا ونغتفر له ، ونبغض المبغض لنا ، وأصبح محبّنا ينتظر رحمة الله عزّ وجلّ ، فكأنّ أبواب الرحمة قد فتحت له ، وأصبح مبغضنا على شفا جرف من النار ، فكأنّ ذلك الشفا قد انهار به في نار جهنّم ، فهنيئا لأهل الرحمة رحمتهم ، وتعسا لأهل النار مثواهم ، إنّ الله عزّ وجلّ يقول :
فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
« 3 » .
وإنه ليس عبد من عبيد اللّه يقصر في حبّنا لخير جعله الله عنده ، إذ لا يستوي من يحبّنا ومن يبغضنا ، ولا يجتمعان في قلب رجل أبدا ، إن الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه يحبّ بهذا ويبغض بهذا ، أما محبّنا فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه ، ومبغضنا على تلك المنزلة ، نحن النجباء وأفراطنا أفراط الأنبياء ، وأنا وصيّ الأوصياء ، والفئة الباغية من حزب الشيطان والشيطان منهم .
فمن أراد أن يعلم حبّنا فليمتحن قلبه ، فإن شارك في حبّنا عدّونا
هامش
( 181 ) - تأويل الآيات 2 / 446 / 1 ، البرهان : 3 / 290 / 1 ، كنز الفوائد : 23 ، الأمالي :
للطوسي : 148 ، الغارات : 2 / 910 ، بحار الأنوار : 24 / 317 / 23 ، غاية المرام :
2 / 214 / 62 بتفاوت يسير و 6 / 84 / 33 بتفاوت يسير .
أنضاء عبادة : مهزولون من أجل العبادة .
( 1 ) هو زيد بن المنذر الهمداني ، ويقال : النهدي ، ويقال : الثقفي ، أبو الجارود الأعمى الكوفي . ميزان الاعتدال : 2 / 93 / 2965 ، كتاب المجروحين لابن حبان : 1 / 306 .
( 2 ) سورة الأحزاب : 4 .
( 3 ) سورة النحل : 29 .