الإيمان بعدم خلو الأرض من حجة وانها تسيخ لو عدم لا ينافي وجود الإمام وغياب شخصه عن الناس أو عن بعض الناس ، بل قد نعتقد بانّ الإمام لم يغب انما غاب عنه من تخلى عن أهل بيت العصمة والطهارة « 1 » .
ذلك أنّ ضرورة الإمام أعم من وجوده بين الناس فعلا ومن وجوده بينهم ، ولكنه غاب عن مشاهدتهم أو أبصارهم لمصلحة ما بتقدير اللّه عزت الآؤه .
وتقدم في الروايات ما يشير إلى ذلك .
وغياب الإمام لا يعني عدم تدخله في هذه الأمة ورعاية مصالحها المهمة ، بل مع غيابه يتدخل في المسائل المصيرية الشخصية منها والنوعية ، ومن راجع قصص الأولياء الذين تشرفوا بلقاء الإمام عجل اللّه فرجه والتوقيعات الصادرة عنه أدرك صحة ذلك « 2 » .
وامّا الفيوضات المرتبة على وجود الإمام عليه السّلام فهي إما منافع دنيوية وإما دينية .
والمنافع الدنيوية على قسمين ، فمنها ما هو تكويني لا ينفك عن وجود الإمام ، ومنها ما هو اعتباري .
والمنافع التكوينية لا تنفك عن وجود وولادة الإمام عليه السّلام فمتى وجد وجدت ، من قبيل حفظ الأرض ومن عليها وعدم وقوعها واستقرارها ، ونزول الغيث من السماء ونشر الرحمة ، وخروج بركات الأرض كما تقدم نصه في الروايات .
وتقدم ما يفيد في ذلك عند الكلام عن كونهم أمان الأمة وأن قطب الأقطاب لا يكون الا منهم ، وكذا عند الكلام على كونهم الواسطة بيننا وبين اللّه تعالى ، وتقدم ما يفيد في ذلك عند تفسير الولاية التكوينبة وحدودها لهم .
وهذه المنافع التكوينية حاصلة فعلا ينتفع منها كل الناس العاصي منهم والطائع ، قال تعالى :
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
« 3 » .
وإليه أشار التوقيع الصادر من الناحية المقدسة على يد أبو جعفر محمد بن عثمان العمري ثاني السفراء الأربعة ما خطه : « أما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الابصار السحاب ، واني لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء » « 4 » .
هامش
( 1 ) تقدم تفصيل ذلك عند الكلام عن رؤية أهل البيت : وامكانها ومعناها وذكرنا طرفا من ذلك في كتابنا عبرة أولى الاباب : 341 شروط رؤية الإمام وطرقه الشرعية .
( 2 ) راجع بحار الأنوار : 52 / 174 و 53 / 176 - 226 - 225 - 302 ، وكمال الدين : 2 / 482 إلى 522 باب 45 ح 1 إلى 52 .
( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 20 .
( 4 ) كمال الدين : 2 / 485 الباب الخامس والأربعون - ذكر التوقيعات - ح 4 ، والاحتجاج : 263 .