قال : قلت : أين أبو جعفر ؟
قال : ويحك أخرج ، فقل : أين محمّد بن علي ؟ فخرج ، فقام فدخل فحدّثه ساعة ، وقال : إنّي أريد الوداع يا أمير المؤمنين .
قال عمر : فأوصني يا أبا جعفر .
قال : أوصيك بتقوى اللّه ، واتّخذ الكبير أبا ، والصغير ولدا ، والرجل أخا .
فقال : رحمك اللّه ، جمعت لنا واللّه ما إن أخذنا به وأماتنا اللّه عليه ، استقام لنا الخير إن شاء اللّه ، ثم خرج .
فلما انصرف إلى رحله أرسل إليه عمر : إني أريد أن آتيك فاجلس في إزار ورداء ، فبعث إليه :
لا ، بل أنا آتيك ، فأقسم عليه عمر ، فأتاه عمر ، فالتزمه ووضع صدره على صدره وأقبل يبكي ، ثم جلس بين يديه ، ثم قام وليس لأبي جعفر حاجة سأله إياها إلّا قضاها له ، وانصرف فلم يلتقيا حتى ماتا جميعا ، رحمهما اللّه « 1 » .
وعن قيس بن النعمان : خرجت يوما إلى بعض مقابر المدينة ، فإذا أنا بصبي جالس عند قبر يبكي بكاء شديدا ، وان وجهه ليلقي شعاعا من نور ، فأقبلت عليه ، فقلت : أيها الصبي ، ما الذي عقلت له من الحزن حتى أفردك بالخلوة في مجالب الموتى والبكاء على أهل البلاء وأنت بغو الحداثة مشغول عن اختلاف الأزمان وحنين الأحزان ، فرفع رأسه وطأطأه ، وأطرق ساعة لا يحير جوابا ، ثم رفع رأسه وهو يقول :
إنّ الصبي صبي العقل لا صغر * أزرى بذي العقل فينا لا ولا كبر
ثم قال لي : ما هذا ، إنك خليّ الذرع « 2 » من الفكر ، سليم الأحشاء من الحرقة ، أمنت تقارب الأجل بطول الأمل ، إن الذي أفردني بالخلوة في مجالب أهل البلاء ، يذكّر قول اللّه عزّ وجلّ :
فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
« 3 » .
فقلت : بأبي أنت وأمي ، من أنت ؟ فإنّي لأسمع كلاما حسنا .
فقال : إنّ من شقاوة أهل البلاء قلة معرفتهم بأولاد الأنبياء ، أنا محمّد بن علي بن الحسين بن علي ، وهذا قبر أبي ، فأيّ أنس آنس من قربه ، وأي وحشة تكون معه ، ثم أنشأ يقول :
ما غاض دمعي عند نازلة * إلّا جعلتك للبكا سببا
إنّي أجلّ ثرىّ حللت به * من أن أرى لسواك مكتئبا
هامش
( 1 ) تاريخ مدينة دمشق : 54 / 270 .
( 2 ) الذرع : الخلق .
( 3 ) سورة يس ، الآية : 51 .