الهبعة ، ولا مضطغنا آل اللّه ، ولا منافقا رسول اللّه . كان يدرؤ عن الإسلام كل أصبوحة ويذب عنه كل أمسية ، ويلج بنفسه في الليل الديجور المظلم الحلكوك ، مرصدا للعدو . هو ذل تارة وتضكضك أخرى .
ويا رب لزبة آتية قسية وأوان آن أرونان قذف بنفسه في لهوات وشيجة ، وعليه زغفة ابن عمّه الفضفاضة ، وبيده خطيّة عليها سنان لهذم ، فبرز عمرو بن ود القرم الأود ، والخصم الألدّ ، والفارس الأشد ، على فرس عنجوج ، كأنما نجر نجره باليلنجوج ، فضرب قونسه ضربة قنع منها عنقه ، أو نسيتم عمرو بن معدي كرب الزبيدي إذ أقبل يسحب ذلاذل درعه ، مدلا بنفسه ، قد زحزح الناس عن أماكنهم ونهضهم عن مواضعهم ، ينادي أين المبارزون يمينا وشمالا ؟ فانقض عليه كسوذنيق أو كصيخودة منجنيق ، فوقصه وقص القطام بحجره الحمام ، وأتى به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كالبعير الشارد ، يقاد كرها وعينه تدمع ، وأنفه ترمع ، وقلبه يجزع .
هذا وكم له من يوم عصيب برز فيه إلى المشركين بنية صادقة ، وبرز غيره وهو أكشف أميل أجم أعزل ، ألا وإني مخبركم بخبر على أنه مني بأوباش كالمراطة بين لغموط وحجابه وفقامه ومغذمر ومهزمر ، حملت به شوهاء شهواء في أقصى مهيلها ، فأتت به محضا بحتا ، وكلهم أهون على علي من سعدانة بغل ، أفمثل هذا يستحق الهجاء ، وعزمه الحاذق ، وقوله الصادق ، وسيفه الفالق ، وإنما يستحق الهجاء من سامه إليه ، وأخذ الخلافة ، وأزالها عن الوارثة ، وصاحبها ينظر إلى فيئه ، وكأن الشبادع تسلبه ، حتى إذا لعب بها فريق بعد فريق ، وخريق بعد خريق ، اقتصروا على ضراعة الوهز ، وكثرة الأبز ، ولو ردّوه إلى سمت الطريق والمرت البسيط ، والتامور العزيز ، ألفوه قائما ، واضعا الأشياء في مواضعها ، لكنهم انتهزوا الفرصة ، واقتحموا الغصة ، وباؤا بالحسرة .
قال : فاربدّ وجه الوليد وتغير لونه ، وغص بريقه ، وشرق بعبرته ، كأنما فقئ في عينه حب المض الحاذق ، فأشار عليه بعض جلسائه بالانصراف وهو لا يشك أنه مقتول به ، فخرج فوجد بعض الأعراب الداخلين ، فقال له : هل لك أن تأخذ خلعتي الصفراء وآخذ خلعتك السوداء وأجعل لك بعض الجائزة حظا ؟
ففعل الرجل وخرج الأعرابي فاستوى على راحلته ، وغاص في صحرائه ، وتوغل في بيدائه ، واعتقل الرجل الآخر فضرب عنقه ، وجيئ به إلى الوليد ، فقال : ليس هو هذا بل صاحبنا ، وأنفذ الخيل السراع في طلبه فلحقوه بعد لأي ، فلما أحس بهم أدخل يده إلى كنانته يخرج سهما سهما يقتل به فارسا ، إلى أن قتل من القوم أربعين وانهزم الباقون ، فجاؤوا إلى الوليد فأخبروه بذلك ، فأغمي عليه يوما وليلة أجمع قالوا : ما تجد ؟
قال : أجد على قلبي غمّة كالجبل من فوت هذا الأعرابي فلله دره « 1 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، العلامة المجلسي : 64 / 323 .