وأمّا أهل العراق فإنّهم وقعوا في الأسف على ترك نصرة الحسين عليه السّلام وكان عبيد الله بن الحرّ الجعفي من أشراف أهل الكوفة وقد ندبه الحسين إلى الخروج معه فلم يفعل ثمّ تداخله الندم فقال ، شعرا :
فيالك حسرة ما دمت حيّا * تردّد بين حلقي والتراقي
غداة حسين يطلب بذل نصري * على أهل الضلالة والشقاق
غداة يقول لي بالقصر قولا * أتتركنا وتزمع بالفراق
ولو أنّي أواسيه بنفسي * لنلت كرامة يوم التلاق
مع ابن المصطفى نفسي فداه * تولّى ثمّ ودّع بانطلاق
فلو فلق التلهّف قلب حيّ * لهم اليوم قلبي بانفلاق
فقد فاز الأولى نصروا حسينا * وخاب الآخرون إلى النفاق
ولم يكن في العراق من يصلح للقتال والنجدة إلّا قبائل الكوفة ، فأوّل من نهض سليمان ابن صرد الخزاعي وكانت له صحبة مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمسيّب بن نجبة الضراري وهو من كبار الشيعة وله صحبة مع عليّ عليه السّلام وعبد الله بن سعد ورفاعة بن شداد وجماعة فاجتمعوا في دار سليمان فبدأ سليمان بالكلام فقال بعد الحمد والثناء : أمّا بعد فقد ابتلينا بطول العمر ثمّ قال في كلامه : إنّ الله اختبرنا فوجدنا كذّابين في نصر ابن بنت رسول الله ولا عذر دون أن تقتلوا قاتليه فعسى ربّنا أن يعفو عنّا .
قال رفاعة بن شدّاد : قد هداك الله ثمّ إنّهم اتّفقوا على سليمان شيخا لهم .
وقال المسيّب : أصبتم وأنا أرى الذي رأيتم فاستعدّوا للحرب ، وكتب سليمان إلى من كان بالمدائن من الشيعة يدعوهم إلى أخذ الثأر فكتبوا إليه بالقبول « 1 » .
وذكر الطبري في تاريخه : أنّ أوّل ما ابتدأ به الشيعة من أمرهم سنة إحدى وستّين وهي السنة التي قتل فيها الحسين فما زالوا في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال حتّى مات يزيد وكان بين مقتل الحسين عليه السّلام وهلاك يزيد ثلاث سنين وشهران وأربعة أيّام وكان أمير العراق عبيد الله وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث وكان عبد الله بن الزبير قبل موت يزيد يدعو الناس إلى طلب ثأر الحسين ، فلمّا مات يزيد أظهر أنّه يدعو الناس لنفسه فخرج المختار من مكّة متوجّها إلى الكوفة ، فلمّا دخل الكوفة نهارا صار لا يمرّ على جماعة إلّا سلّم وقال : أبشروا بالفرج فقد جئتكم بما تحبّون وأنا المسلّط على الفاسقين والطالب بدم أهل بيت نبيّ ربّ العالمين .
هامش
( 1 ) العوالم : 674 .