أما بعد ، فإنّك ودسّك أخا بني القين إلى البصرة ، تلتمس من غفلات قريش بمثل ما ظفرت به من يمانيّتك ، لكما قال أميّة بن أبي الأسكر « 1 » :
لعمرك إنّي والخزاعيّ طارقا * كنعجة عاد حتفها تتحقّر
أثارت عليها شفرة بكراعها * فظلّت بها من آخر الليل تنحر
شمتّ بقوم من صديقك أهلكوا * أصابهم يوم من الدّهر أصفر « 2 »
فأجابه معاوية :
أمّا بعد ، فإن الحسن بن علي ، قد كتب إليّ بنحو ممّا كتبت به ، وأنبأني بما لم يحقّق سوء ظنّ « 3 » ورأي فيّ ، وإنك لم تصب مثلي ومثلكم ، وإنما مثلنا كما قال طارق الخزاعي يجيب أميّة عن هذا الشعر :
فوالله ما أدرى وإنّى لصادق * إلى أيّ من يظّنّنى أتعذّر
قال أبو الفرج : وكان أوّل شيء أحدثه الحسن عليه السّلام أنّه زاد المقاتلة مائة مائة ، وقد كان عليّ عليه السّلام فعل ذلك يوم الجمل ، وفعله الحسن حال الاستخلاف ، فتبعه الخلفاء من بعده في ذلك « 4 » .
قال : وكتب الحسن عليه السّلام إلى معاوية مع حرب بن عبد اللّه الأزديّ « 5 » .
من الحسن « 6 » بن عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلّا هو ، أما بعد فإن اللّه جلّ جلاله بعث محمدا رحمة للعالمين ، ومنّة للمؤمنين ، وكافّة للناس أجمعين ،
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ
« 7 » ، فبلّغ رسالات اللّه ، وقام بأمر اللّه حتى توفّاه اللّه غير مقصّر ولا وان ، وبعد أن أظهر اللّه به الحقّ ومحق به الشّرك ، وخص به قريشا خاصّة فقال له :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
« 8 » . فلما توفّى تنازعت سلطانه العرب ، فقالت قريش : نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه ، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقّه ، فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش ، وأنّ الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد ، فأنعمت « 9 »
هامش
( 1 ) كذا في الأغاني ومقاتل الطالبيين وهو الصواب ، وفي ب : « أمية بن أبي الصلت » .
( 2 ) في الأغاني : « أعسر » .
( 3 ) مقاتل الطالبيين : « بما لم يحقق سوء ظن ورأي فيّ » .
( 4 ) مقاتل الطالبيين 55 .
( 5 ) مقاتل الطالبيين : « مع جندب بن عبد الله الأزدي » .
( 6 ) مقاتل الطالبيين : « بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسن . . . » .
( 7 ) سورة يس ، الآية : 70 .
( 8 ) سورة الزخرف ، الآية : 44 .
( 9 ) أنعمت لهم ؛ أي قالت لهم : « نعم » .