ثمّ إنّ من خلال استدامة بكائها وحزنها وخروجها من بيتها إلى القبر الشريف للبكاء أو زيارة القبر الشريف ، فيه تجديد العهد بالنبيّ الكريم وتذكير به وبأقواله وأفعاله ، خاصّة بملاحظة أنّ القبر الشريف في المسجد ، مسجد الخلافة ومقرّ تجمّع الخليفة الأوّل والثاني .
فعندما يريد الخليفة الأوّل أن يجتمع برعيّته أو يخطب بهم أو يستقبل وفود البلاد والمعزّين أو يتلقّى التهنئة بالخلافة الجديدة ، سوف يرى هؤلاء جميعا ابنة صاحب هذا الدين التي كانت عزيزة عليه شاركته في الدعوة والجهاد والمهمّات ، سوف يرونها تبكي وتصرّح بكلام مخالف للقوم ولخلافتهم المزعومة ، فكان هذا الحزن والبكاء ثورة هادئة صامتة ، لذا انزعج القوم من بكائها وطلب من عليّ بن أبي طالب أن تقلّل من حزنها أو تبكي ليلا أو نهارا ، أو تمتنع عن ذلك ، فبنى لها أمير المؤمنين عليه السّلام بيتا صغيرا يعرف ببيت الأحزان .
وكانت عليها السّلام أثناء بثّ حزنها تطالب بحقّها وحقّ الأمير عليه السّلام في الخلافة ، من ذلك قولها :
. . . يا أبتاه من للأرامل والمساكين ، ومن للامّة إلى يوم الدين ، يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين ، يا أبتاه أصبحت الناس عنّا معرضين . . . فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل . . فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلا عليك وأثكل أبو الحسن المؤتمن ، أخوك ووليّك ، وأحلى أحبّائك وأصحابك إليك من كان منهم سابقا ومهاجرا وناصرا . .
وأنشأت تقول :
وبكاك الإسلام إذ صار في النا * س غريبا من سائر الغرباء
لو ترى المنبر الذي كنت تعلو * ه علاه الظلام بعد الضياء
كلّ ذلك كان في المسجد قرب القبر الشريف والناس تسمع البكاء « 1 » .
وممّا قالته قبل وفاتها :
إبكني وابك لليتامى ولا تنس * قتيل العدى بطفّ العراقي
فارقوا فأصبحوا يتامى حيارى * يحلف اللّه فهو يوم الفراق « 2 »
فتأمّل كلمات الزهراء وتذكيرهم بمهمّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأعماله وسيرته ، وكلامها حول إعراض الناس عنهم ، وتذكيرهم أنّ أحبّ الناس للنبي عليّ عليه السّلام وهو وليّه وناصره ، وتصريحها أنّ منبر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم علاه الظلمة .
وتذكير الأمير بقتيل الطفّ في كربلاء للإشارة إلى أنّ ما حصل في السقيفة سوف يؤدّي إلى استخلاف يزيد وقتل الحسين عليه السّلام كما قال الشاعر :
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 43 / 176 - 177 .
( 2 ) بحار الأنوار : 43 / 178 - 179 .