قال : تعوّذ بالله من الشيطان واتهم رأيك !
قال عمر : فجعلت أتعوذ بالله من الشيطان الرجيم حياء ، فما أصابني قط شيء مثل ذلك اليوم .
فكان ابن عباس رضي اللّه عنه يقول : قال لي عمر في خلافته ، وذكر القضية : « ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت إلّا يومئذ ، ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضية لخرجت » .
قال أبو سعيد الخدري : جلست عند عمر بن الخطاب يوما ، فذكر القضية فقال : لقد دخلني يومئذ من الشك ، وراجعت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يومئذ مراجعة ما راجعته مثلها قط .
والله لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي : لو كنا مائة رجل على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبدا ! .
قال عمر : فوثبت إلى أبي جندل أمشي إلى جنبه ، وسهيل بن عمرو يدفعه ، وعمر يقول : إصبر يا أبا جندل ، فإنما هم المشركون ، وإنما دم أحدهم دم كلب ، وإنما هو رجل وأنت رجل ومعك السيف ! فرجوت أن يأخذ السيف ويضرب أباه ، فظن الرجل بأبيه ، فقال عمر : يا أبا جندل ، إنّ الرجل يقتل أباه في الله ، والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في الله ، فرجل برجل ! قال : وأقبل أبو جندل على عمر فقال : مالك لا تقتله أنت ؟
قال عمر : نهاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن قتله وقتل غيره .
قال أبو جندل : ما أنت أحق بطاعة رسول اللّه مني ! .
وقال عمر ورجال معه من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول الله ، ألم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام . . . إلخ » « 1 » .
انظر عزيزي القارئ إلى تشكيك هذا الرجل بعصمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وعدم انقياده إلى أوامره .
وبعد ذلك يأتي بعض من عاصرناه ليقول : إنّ اعتراض عمر فيه دليل على وعي الصحابة ! !
أجل ! أصبحت معصية الرسول وعيا يقتدى بها !
أصبح إفشال ونقض الصلح الذي أمر به اللّه عز وجل ونفذّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، الذي لا ينطق عن الهوى ، أصبح ذلك من حضارة الدين الإسلامي !
ومن العجيب جهل القائل بندم عمر ندما شديدا وتصدّقه عنه وذبح العقائق من أجل تشكيكه هذا وارتيابه بنبوة النبي كما صرّح هو بذلك « 2 » .
هامش
( 1 ) المغازي للواقدي : غزوة الحديبية 2 / 606 - 609 ، وأمتاع الاسماع للمقريزي : 1 / 292 - 293 وهو بنفس ألفاظ الواقدي تقريبا باستثناء تعوذ عمر فإن فيه بدل حياء : حينا .
( 2 ) راجع المغازي للواقدي : غزوة الحديبية 2 / 609 ، وأمتاع الاسماع للمقريزي : 1 / 293 .