وقاله البلاذري بلفظ : « يا علي هذا دين اللّه الذي اصطفاه واختاره ، وأنا أدعوك إلى اللّه وحده ، وأن تذر اللات والعزى فإنهما لا تنفعان ولا تضران » .
فقال علي : « ما سمعت بهذا الدين إلى اليوم ، وأنا أستأمر أبي فيه » .
- فكره النبي أن يفشي ذلك قبل استعلان أمره - .
فقال : « يا علي إن فعلت ما قلت لك ، وإلّا فأكتم ما رأيت » .
فمضى ليلته ثم غدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال له : « أعد عليّ ما قلت » .
فأعاد ؛ فأسلم « 1 » .
وفي لفظ : قال علي : « هذا شيء لم أسمع به » .
قال : « صدقت يا علي » .
فمكث علي تلك الليلة مفكّرا فلمّا أصبح أتى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال له : « لم أزل البارحة أفكّر فيما قلت لي فعرفت الحق والصدق في قولك ، وأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأنّك رسول اللّه » « 2 » .
ومن قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا تخبر بها أحدا » : نعرف أنّ ذلك قبل إيمان أحد من الناس . وسوف يأتي قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تصديقا لنبوّتك وبرهانا على دعوتك » .
فهو يعرف أن للأنبياء معاجزا لتصديق النبوة وبراهينا لإثبات البعثة .
* قال العقّاد : ( لقد ملأ الدين الجديد قلبا لم ينازعه فيه منازع من عقيدة سابقة ، ولم يخالطه شوب يكدّر صفاءه ويرجع به إلى عقابيله ، فبحق ما يقال : أن عليّا كان المسلم الخالص على سجيته المثلى وأنّ الدين الجديد لم يعرف قط أصدق إسلاما منه ولا أعمق نفاذا فيه ) « 3 » .
* وقال أبو جعفر الإسكافي بعد ذكر حديث الدار :
فهل يكلّف عمل الطعام ودعاء القوم صغير غير مميز ؟ ! وغير عاقل ؟ !
وهل يؤتمن على سر النبوة طفل ؟ ! وهل يدعى في جملة الشيوخ والكهول إلّا عاقل لبيب ؟ ! وهل يضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يده في يده ويعطيه صفقة يمينه بالأخرى والوصية والخلافة إلّا وهو أهل لذلك ؟ !
بالغ حد التكليف محتمل لولاية اللّه وعداوة أعدائه ، وما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه ولم
هامش
( 1 ) أنساب الأشراف : 1 / 112 ح 218 مبعث رسول الله .
( 2 ) كنز الفوائد : 120 فصل في بيان ان الأمير أول بشر سبق إلى الإسلام .
( 3 ) عبقرية الإمام : 13 ط . مصر - المعارف .