مؤمّليه ، قد ترك نفسه من ثلاث « 1 » : المراء والإكثار ومما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذمّ أحدا ولا يعيّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلّا فيما يرجو ثوابه ، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ، ولا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أوليهم « 2 » ، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ، حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم « 3 » ، ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه « 4 » ولا يقبل الثناء إلّا عن مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام .
قال : قلت : كيف كان سكوته ؟
قال : كان سكوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم على أربعة : على الحلم والحذر والتقدير والتفكر . فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس . وأما تفكّره ففيما يبقى ويفنى . وجمع له الحلم والصبر ، فكان لا يغضبه شيء ولا يستنفره . وجمع له الحذر في أربعة : أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح لينتهى عنه ، واجتهاده فيما أصلح أمته ، والقيام فيما جمع لهم خير الدنيا والآخرة « 5 » .
* * *
طهارة مولده وطيب أصله صلّى اللّه عليه واله وسلّم
عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم : « خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح » « 6 » .
وعنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم : « ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية ما ولدني إلّا نكاح كنكاح الإسلام » « 7 » .
وعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم : « ما ولدتني بغيّ قطّ مذ خرجت من صلب أبي آدم ، ولم تزل تنازعني الأمم كابرا عن كابر حتى خرجت من أفضل حييّن من العرب :
هاشم وزهرة » « 8 » .
هامش
( 1 ) في دلائل البيهقي : 1 / 291 بعدها : المرء ، والإكثار ، وما لا يعنيه ؛ وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم .
( 2 ) في هامش البحار نسخة : أولهم .
( 3 ) يعني أنهم يستجلبوا الفقير لئلا يؤذي النبي .
( 4 ) الرفادة . الضيافة وورود المدعو على الداعي . والرفد بكسر الراء : الهبة والعطية .
( 5 ) الحديث بطوله أخرجه البيهقي في الدلائل : 1 / 287 مع تفاوت والعلامة المجلسي في البحار : 16 / 153 .
( 6 ) طبقات ابن سعد : 1 / 61 .
( 7 ) تاريخ مدينة دمشق : 3 / 400 .
( 8 ) كنز العمال للمتقي الهندي : 11 / 430 ح 32019 .