ومن الواضح إنّ هذا التراجع من المنصور لم يكن في زمان سلطته ولا في زمان أخيه السفاح ؛ إذ كان المهدي الحسني في تلك الفترة متواريا عن أنظار ولاة المدينة لبني العباس ، وبقي هكذا إلى أن فاجأ المنصور بالثورة عليه سنة / 145 ه ، وعليه فلا بدّ وأن يكون هذا التحول بعيد مبايعته لمحمد بن عبد اللّه الحسني ووصفه بالمهدي ، إذ علم من الإمام الصادق عليه السّلام مصير تلك المهدوية والسلطة معا ، فما يمنعه إذن من استخدام سلاح الحسنيين أنفسهم في الدعوة إلى ابنه ، لا سيّما وأن اسمه ( محمد ) ، واسم أبيه المنصور ( عبد اللّه ) ، والحديث الموضوع : ( واسم أبيه اسم أبي ) لم يزل ساري المفعول في زمانه .
وقد مرّ عنه قوله - بعد ما سمع من الإمام الصادق عليه السّلام ما سمع - بأنه ما خرج من المجلس إلّا ودبّر أمره ! ! فانظر كيف نظر وفكّر فدبر ؟ !
وروى أبو الحجّاج الجمّال ما هو صريح بتراجع المنصور عن القول بمهدوية محمد النفس الزكيّة قبل قتله ، قال أبو الحجّاج : « إني لقائم على رأس أبي جعفر المنصور ، وهو يسألني عن مخرج محمد بن عبد اللّه بن الحسن ، فبلغه أن عيسى بن موسى هزم ، وكان أرسله إلى قتال محمد .
قال : وكان المنصور متكئا ، فجلس ، فضرب بقضيب معه مصلاه ، وقال :
كلّا فأين لعب صبياننا بها على المنابر ، ومشاورة النساء » « 1 » .
والسؤال هنا : أنّه لو كان معتقدا بمهدوية الحسني ، فلماذا هذا التحوّل
هامش
( 1 ) مقاتل الطالبيين 241 ، وتاريخ الطبري 7 : 598 ، والبداية والنهاية 10 : 90 ، في حوادث سنة / 145 ه .