لِتَعْجَلَ بِهِ
فالذي لم يحرك به لسانه لغيرنا أمره اللّه تعالى أن يخصنا به من دون غيرنا ، فلذلك كان يناجي أخاه عليا من دون أصحابه ، وأنزل اللّه به قرآنا في قوله :
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
فقال رسول اللّه : سألت اللّه أن يجعلها اذنك يا علي ، فلذلك قال علي : علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب ، خصّه به النبي من مكنون سرّه ، كما خصّ اللّه نبيّه ، وعلّمه ما لم يخص به أحدا من قومه ، حتى صار إلينا فتوارثناه من دون أهلنا » .
والتاع هشام من هذا الجواب ، فالتفت إلى الإمام - وهو غضبان - قائلا : إنّ عليّا كان يدّعي علم الغيب واللّه لم يطلع على غيبه أحدا ، فكيف ادّعى ذلك ؟
ومن أين ؟
فأجابه الإمام قائلا : « إن اللّه أنزل على نبيّه كتابا بين دفتيه فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
وفي قوله تعالى :
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
وفي قوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
وفي قوله تعالى :
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
وأوحى اللّه إلى نبيّه أن لا يبقي في عيبة سرّه ، ومكنون علمه شيئا إلّا يناجي به عليّا ، فأمره أن يؤلف القرآن من بعده ، ويتولّى غسله وتحنيطه من دون قومه ، وقال لأصحابه : حرام على أصحابي وقومي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي ، فإنه مني ، وأنا منه ، له ما لي ، وعليه ما علّي ، وهو قاضي ديني ، ومنجز موعدي ، ثم قال لأصحابه : علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وعامّه إلا عند علي ، ولذلك قال رسول اللّه : « أقضاكم علي » أي هو قاضيكم ، وقال عمر بن الخطاب : لولا علي لهلك عمر ، يشهد له عمر ويجحده غيره ! » .
وأطرق هشام برأسه إلى الأرض ، ولم يجد منفذا يسلك فيه للرد على الإمام ، فقال له : « سل حاجتك » .
قال الإمام ( عليه السّلام ) : « خلّفت أهلي وعيالي مستوحشين لخروجي » .