وتابع الإمام الرمي حتى شق تسعة أسهم بعضها في جوف بعض ، ولم يحصل بعض ذلك لأعظم رام في العالم . وأخذ هشام يضطرب من الغيظ ، وورم أنفه ، فلم يتمالك أن صاح :
« يا أبا جعفر أنت أرمى العرب والعجم ! ! وزعمت أنك قد كبرت ! ! » ثم أدركته الندامة على تقريظه للإمام ، فأطرق برأسه إلى الأرض والإمام واقف .
ولما طال وقوفه غضب ( عليه السّلام ) وبان ذلك على سحنات وجهه الشريف . وكان إذا غضب نظر إلى السماء .
ولمّا بصر هشام غضب الإمام قام إليه واعتنقه ، وأجلسه عن يمينه ، وأقبل عليه بوجهه قائلا : « يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ، ما دام فيها مثلك . للّه درك ! ! من علّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلّمته ؟ أيرمي جعفر مثل رميك ؟ . . . » .
فقال أبو جعفر ( عليه السّلام ) : « إنا لنحن نتوارث الكمال » .
وثار الطاغية ، واحمرّ وجهه ، وهو يتميز من الغيظ ، وأطرق برأسه إلى الأرض ، ثم رفع ، رأسه ، وراح يقول : « ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟ » .
ورد عليه الإمام مزاعمه قائلا : « نحن كذلك ، ولكن اللّه اختصنا من مكنون سرّه ، وخالص علمه بما لم يخص به أحدا غيرنا » .
وطفق هشام قائلا : « أليس اللّه بعث محمدا ( صلّى اللّه عليه واله ) من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها ، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ؟
ورسول اللّه مبعوث إلى الناس كافة ، وذلك قول اللّه عزّ وجل :
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ *
؟ فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمّد نبيّ ، ولا أنتم أنبياء ؟ ! »
وردّ عليه الإمام ببالغ الحجة قائلا : من قوله تعالى لنبيّه
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ