وذبل الإمام ( عليه السّلام ) من كثرة العبادة وأجهدته أيّ إجهاد ، وقد بلغ به الضعف أنّ الريح كانت تميله يمينا وشمالا بمنزلة السنبلة « 1 » التي تميلها الريح .
وقال ابنه عبد اللّه : كان أبي يصلّي بالليل فإذا فرغ يزحف إلى فراشه « 2 » .
وأشفق عليه أهله ومحبّوه من كثرة ما بان عليه من الضعف والجهد من كثرة عبادته ، فكلّموه في ذلك لكنّه ( عليه السّلام ) أصرّ على شدّة تعبّده حتى يلحق بآبائه ، قال له أحد أبنائه : يا أبت كم هذا الدؤوب ( يعني الصلاة ) ؟ فأجابه الإمام ( عليه السّلام ) : « أتحبّب إلى ربّي » « 3 » .
وقال جابر بن عبد اللّه الأنصاري للإمام ( عليه السّلام ) : يا ابن رسول اللّه ! أما علمت أنّ اللّه تعالى إنّما خلق الجنّة لكم ولمن أحبّكم ، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم ، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك ؟ فأجابه الإمام ( عليه السّلام ) : « يا صاحب رسول اللّه ، أما علمت أنّ جدي رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه واله ) قد غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، فلم يدع الإجتهاد له ، وتعبّد - بأبي وأمي - حتى انتفخ ساقه وورم قدمه ، وقد قيل له : أتفعل هذا وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ فقال ( صلّى اللّه عليه واله ) : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ » .
فقال له جابر : يا ابن رسول اللّه ، البقيا على نفسك ، فإنّك من أسرة بهم يستدفع البلاء ، وبهم يستكشف الأدواء ، وبهم تستمطر السماء . . . » فأجابه الإمام ( عليه السّلام ) : « لا أزال على منهاج أبويّ متأسّيا بهما حتى ألقاهما . . . » « 4 » .
هامش
( 1 ) الإرشاد : 272 ، روضة الواعظين : 1 / 237 .
( 2 ) بحار الأنوار : 46 / 99 .
( 3 ) المصدر السابق : 46 / 99 .
( 4 ) مناقب آل أبي طالب : 4 / 161 ، 162 .