المقدّمة
لم تحظ قضية في الفكر والتراث الإنساني بمثل ما حظيت به قضية المنقذ العالمي « المهدي الموعود » الذي بشّر به الإسلام ، وبشّرت به الأديان السماوية من قبل ، من اهتمام مكثّف ، ورعاية بالغة تجاهها .
وهي قضية إنسانية قبل أن تكون دينية أو إسلامية .
وذلك لأنّها تمثّل تعبيرا دقيقا عن ضرورة تحقّق طموح الإنسانية جمعاء في الوصول إلى السعادة من خلال توفير الأمن والرخاء العالمي ، خاصّة وقد مرّت بتجارب طويلة ، في ظلّ ظروف متفاوتة من الظلم والجور ، والقهر والاستعباد ، ما يجعلها تتّخذ كلّ الطرق لتحقيق ما تصبو إليه ، فاستنفرت كلّ طاقاتها وقدراتها باتجاه متابعة كلّ تيّار حضاري ، والتمسّك بأثواب كلّ داعية ؛ اعتقادا منها بأنّه سيكون الكفيل بتحقيق آمالها ، وإزالة همومها وآلامها .
غير أنّها لم تكد تطمئنّ ، وتلقي بجرانها إليه حتّى تجد نفسها أمام منحدر ضحل ، وحضارات هشّة عاجزة عن توفير أدنى ما يعينها على بلوغ مآربها ، وتحقيق أبسط مطالبها .
فالإيمان بحتمية ظهور المصلح الديني العالمي ، وإقامة دولة العدل المرتقبة في كلّ بقاع الأرض ، باتت من الحاجات الإنسانية الملحّة المشتركة ، ومن النقاط البارزة بين جميع الأديان السماوية ، وليس الاختلاف فيما بينها إلّا في تحديد « هوية » هذا المصلح الذي هو مكلّف بتحقيق أهداف ومبادئ جميع الأنبياء والرسل ، منذ زمان آدم عليه السّلام وحتّى خاتم الأنبياء والمرسلين صلّى اللّه عليه واله .
وهذه الحقيقة من المسائل الواضحة التي أقرّ بها كلّ مع طالع أو درس عقيدة « المصلح العالمي » ، حتّى أولئك الذين أنكروا صحّتها أو شكّكوا فيها - كبعض المستشرقين - عادوا فاعترفوا بأنّها عقيدة