رجب - دخل عبد الرّحمن بن محمّد ، وسلّم عليه ، فأخرج القاسم الكتاب ، فقال له : اقرأ هذا الكتاب ، وانظر لنفسك .
فقرأ عبد الرّحمن الكتاب ، فلمّا بلغ إلى موضع النّعي رمى الكتاب عن يده ، وقال للقاسم : يا أبا محمّد ! اتّق اللّه ، فإنّك رجل فاضل في دينك ، متمكنّ من عقلك ، واللّه عز وجلّ يقول :
وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ،
« 1 » وقال :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً .
« 2 »
فضحك القاسم ، وقال له : أتمّ الآية :
إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ،
« 3 » ومولاي عليه السّلام هو الرّضا ( المرتضى خ . ل ) من الرّسول ؛ وقال : قد علمت إنّك تقول هذا ، ولكن أرّخ اليوم ، فإن أنا عشت بعد هذا اليوم المؤرخ في هذا الكتاب فاعلم أنّي لست على شيء ، وإن أنا متّ فانظر لنفسك .
فأرّخ عبد الرّحمن اليوم ، وافترقوا .
وحمّ القاسم يوم السّابع من ورود الكتاب ، واشتدّت به في ذلك اليوم العلّة ، واستند في فراشه إلى الحائط ، وكان ابنه الحسن بن القاسم مدمنا على شرب الخمر ، وكان متزوجا إلى أبي عبد اللّه بن حمدون الهمدانيّ ، وكان جالسا ورداؤه مستور على وجهه في ناحية من الدار ، وأبو حامد في ناحية ، وأبو عليّ بن جحدر وأنا وجماعة من أهل البلد نبكي ، إذ اتّكأ القاسم على يديه إلى خلف ، وجعل يقول : يا محمّد ، يا عليّ ، يا حسن ، يا حسين ، يا مواليّ كونوا شفعائي إلى اللّه عز وجلّ .
وقالها الثّانية ، وقالها الثّالثة ، فلمّا بلغ في الثّالثة : يا موسى ، يا عليّ ؛ تفرقعت أجفان عينيه كما يفرقع الصبيان شقائق النّعمان ، وانتفخت حدقته ،
هامش
( 1 ) لقمان : 34 .
( 2 ) الجنّ : 26 .
( 3 ) الجنّ : 27 .