والأوّل متعذّر في حق الكلّ ، فتعيّن الثاني ، فلو لم يكن خبر الواحد مقبولا لما تحقّق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلائق .
اعترض « 1 » بأنّه إنّما يمتنع ذلك أن لو كان التبليغ إلى كلّ من في عصره واجبا ، وأن كلّ من في عصره مكلّف بما بعث به ، وليس كذلك ، بل إنّما هو مكلّف بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه إمّا بالمشافهة أو بخبر التواتر . وكذا كلّ واحد من الأمّة إنّما كلّف بما أرسل به الرسول إذا علمه ، وأمّا مع عدم علمه به فلا ، ولهذا فإنّ الموجودين في البلاد البعيدة والجزائر المنقطعة ، ولا سبيل إلى إعلامهم ، لم يكن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مكلفا بتبليغهم ، ولا كلّ واحد منهم كان مكلّفا بما أرسل به .
وليس بجيد ، لأنّ بعثته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عامّة بالنسبة إلى كلّ المكلفين ؛ لقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
« 2 » .
وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « بعثت إلى الأسود والأحمر » . « 3 »
ولثبوت المقتضي ، وهو وجوب اللطف المستند إلى البعثة في حقّهم .
وغير ذلك من الأدلّة فخبر الواحد طريق إلى إثبات الحكم في الفروع ، وإلى وجوب البحث والنظر والطلب في الأصول .
احتجّ المخالف بوجوه « 4 » :
هامش
( 1 ) . ذكره الآمدي في الإحكام : 2 / 69 .
( 2 ) . سبأ : 28 .
( 3 ) . تفسير ابن كثير : 3 / 547 ؛ فتح الباري : 11 / 62 .
( 4 ) . ذكر الرازي الوجوه الأربعة الأولى مع الأجوبة عنها في المحصول : 2 / 191 ؛ والآمدي ذكر الوجوه الثلاثة الأخيرة والأجوبة عنها في الإحكام : 2 / 79 .