بالاشتراك بين الوجوب والندب والحرمة والكراهة ، وقيل : فيهما أشياء اخر لكنّها شديدة الشذوذ بيّنة الوهن فلا فائدة للتعرّض لنقلها . والأصحّ الاوّل .
لنا : حمل السّلف كلّ أمر ونهى وردا في القرآن أو السنّة على الوجوب والتحريم ، وكان يناظر بعضهم بعضا في مسائل مختلفة . ومتى أورد أحدهم على صاحبه أمرا أو نهيا من اللّه سبحانه أو من رسوله - عليه السّلام - لم يقل هذا أمر أو نهى والأمر يقضى الندب أو الوقف بين الوجوب والندب أو النهى يقتضى الكراهة أو الوقف بين التحريم والكراهة ، بل اكتفوا في الوجوب والتحريم بالظاهر . فثبت انّهما حقيقتان في الوجوب والتحريم شرعا . وهذا وإن كان مظنونا لأنّه من قبيل خبر الآحاد ، لكنّ الظن كاف في المدلولات الالفاظ وإلّا تعذّر العمل بأكثر الظواهر .
ولنا أيضا : القطع بانّ السيّد إذا قال لعبده « افعل كذا » مجرّد عن القرينة فلم يفعل ، أو قال « لا يفعل » ففعل عدّ عاصيا ، وذمّه العقلاء معلّلين حسن ذمّه بمجرّد ترك الامتثال ، وهذا معنى الوجوب والتحريم ، فهما حقيقتان فهما عرفا .
ولنا أيضا في الأمر : قوله تعالى مخاطبا لإبليس
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
« 1 » ، وقوله
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا ، لا يَرْكَعُونَ
« 2 » ، وقوله
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 3 » ، حيث رتّب الانكار والذّم والتهديد على مخالفة مدلول صيغة الأمر فدلّ على أنّها حقيقة فيه . وفي النهى قوله تعالى
وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
« 4 » حيث أوجب سبحانه الانتهاء عمّا نهى الرسول - صلى اللّه عليه وآله - عنه ، وما وجب الانتهاء عنه فقد حرم فعله . وهذه الوجوه وإن كان الخدش في كلّ منهما ممكنا « 5 » إلّا أنّ لاجتماعها أثرا عظيما في تقوية الظن .
احتجّ القائلون بالندب في الأمر : بما نقل عن أهل اللغة من أنّه لا فاروق بين السؤال والامر إلّا الرتبة . فإنّ رتبة الآمر أعلى من رتبة السائل والسؤال إنّما يدلّ على الندب ، فكذلك الامر إذ لو دلّ الامر على الايجاب لكان بينهما فرق آخر وهو خلاف ما نقلوه .
والجواب : إنّ هذا النقل عن أهل اللغة غير ثابت بل صرّح بعضهم بعدم صحّته .
واحتجّ القائلون بانّهما للقدر المشترك : بأنّ صيغة الامر استعملت تارة في الوجوب وتارة
هامش
( 1 ) - الأعراف : 12
( 2 ) - المرسلات : 48
( 3 ) - النور : 63
( 4 ) - الحشر : 7
( 5 ) - كما أورد على الأخير : أولا انّ النزاع انّما هو في أنّ الصيغة في اللغة للتحريم أولا والآية تدلّ على انّها للتحريم في الشرع . وثانيا انّ ما نهاكم عام شامل لنهى الكراهة أيضا فوجب حمل الانتهاء على حقيقة ومجازه أو على القدر المشترك بينهما وعلى التقديرين يشكل الاستدلال بها على التحريم . ( حاشية ملا صالح على المعالم : ص 76 )