التنبيه الخامس : تقدّم الاستصحاب على سائر الأصول
يقدّم الاستصحاب على سائر الأصول ، لأنّ التعبّد ببقاء اليقين السابق وجعله حجّة في الآن اللاحق يوجب ارتفاع موضوعات الأصول ، أو حصول غاياتها ، وإليك البيان :
أ . إنّ موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان ، فإذا كان الشيء مستصحب الحرمة أو الوجوب ، فالأمر بالتعبّد بإبقاء اليقين السابق بيان من الشارع ، فلا يبقى موضوع للبراءة العقلية .
ب . كما أنّ موضوع البراءة الشرعية هو « ما لا يعلمون » والمراد من العلم هو الحجّة الشرعيّة ، والاستصحاب كما قرّرناه حجّة شرعيّة على بقاء الوجوب والحرمة في الأزمنة اللاحقة ، فيرتفع موضوع البراءة الشرعية .
ج . إنّ موضوع التخيير هو تساوي الطرفين من حيث الاحتمال ، والاستصحاب بحكم الشرع هادم لذلك التساوي .
د . إنّ موضوع الاشتغال هو احتمال العقاب في الفعل أو الترك ، والاستصحاب بما أنّه حجّة مؤمّنة ، فالاستصحاب بالنسبة إلى هذه الأصول رافع لموضوعها . وإن شئت فسمّه واردا عليها .
وربّما يكون الاستصحاب موجبا لحصول غاية الأصل كما هو الحال في أصالتي الطهارة والحليّة ، فإنّ الغاية في قوله عليه السّلام : « كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر » ، وفي قوله عليه السّلام : « كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام » وإن كان هو العلم ، لكن المراد منه هو الحجّة ، وبما انّ الاستصحاب حجّة ، فمع جريانه تحصل الغاية ، فلا يبقى للقاعدة مجال .
تمّ الكلام في الأصول العملية ، ويليه البحث في تعارض الأدلّة الشرعية إن شاء اللّه
والحمد للّه ربّ العالمين