ثمّ إنّه لو جاء دليل يدلّ على وقوع التعبّد به نأخذ بذلك الدليل إن لم يثبت امتناعه ، ولا يحتاج إلى إثبات إمكانه بالدليل والبرهان ؛ كي يجوز الأخذ بذلك الدليل ، بل عدم وجدان الدليل على الامتناع يكفي لذلك ، لا أنّ عدم الدليل على الامتناع يكفي في إثبات الإمكان ؛ لأنّ هذا واضح البطلان .
ولعلّ نظر شيخنا الأعظم رحمه اللّه في قوله : وهذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان « 1 » إلى ما قلنا ؛ أي أنّهم يتمسّكون بالدليل على الوقوع إذا لم يجدوا دليلا على الامتناع ، لكن هذا المعنى خلاف ظاهر كلام شيخنا الأعظم رحمه اللّه ؛ إذ ظاهره : أنّ إمكان الشيء يثبت بعدم الدليل على الامتناع .
ثمّ إنّ المحذور المتوهّم في المقام بعضها راجع إلى الملاك وبعضها راجع إلى الخطاب :
أمّا المحاذير الراجعة إلى الخطاب - وهي اجتماع الضدّين أو النقيضين عند عدم إصابة الظنّ ، والمثلين عند إصابته ، وعبّر ابن قبة عن تلك الأمور بتحليل الحرام وتحريم الحلال - فهي مبنية على جعل المؤدّى في باب حجّية جعل الطرق والأمارات ، وسيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه وأنّه خلاف التحقيق ، وسنجمع بين الحكم الظاهري والواقعي بما يرتفع به هذه المحاذير .
وأمّا المحاذير الراجعة إلى الملاك - أعني تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة - فورودها مبني على تبعية الأحكام للمصالح اللازمة الاستيفاء ، أو المفاسد اللازمة الترك تبعية المعلول لعلّته ؛ إذ بناء على عدم التبعية - كما هو منسوب إلى الأشاعرة - فليس هناك مصلحة ولا مفسدة حتّى يلزم تفويتها أو الإلقاء فيها ، كما أنّه لو كانت ولكنّه لم تكن لازمة الاستيفاء أو الترك فلا مانع من
هامش
( 1 ) - فرائد الأصول 1 : 40 .