وعمدة إشكالهم مستند إلى أمرين :
الأوّل : عدم إمكان قصد الوجه والتميّز في الاحتياط .
والثاني : ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ رحمه اللّه من أنّ للإطاعة بحكم العقل الذي هو سلطان في هذا الباب مراتب طولية ، لا تصل النوبة إلى المرتبة النازلة إلّا بعد عدم إمكان المرتبة العالية ، ويرى أنّ مرتبة الامتثال العلمي الإجمالي متأخّرة بحكم العقل عن مرتبة الامتثال العلمي التفصيلي ، سواء كان بالعلم التفصيلي أو الظنّ المعتبر . وهؤلاء هم الذين يقولون ببطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد ، وأنّ الاحتياط لا يجوز في العبادات مع التمكّن منهما .
ولكن أنت خبير بأنّ الوجه الأوّل مبني على لزوم قصد الوجه واعتباره في العبادات ، وهو غير لازم :
أمّا أوّلا : فمن جهة القطع بعدم اعتباره ؛ إذ مثل هذا الشيء ، الذي ممّا يغفل عنه غالبا ويكون الابتلاء به كثيرا كان على الشارع التنبيه إليه . وبعد التفتيش التامّ نرى أنّه لا عين ولا أثر له في الأخبار .
وأمّا احتمال أنّه كان وأخفي علينا فبعيد إلى الغاية ؛ لأنّ دواعي الإخفاء فيه قليل كما هو واضح ، فلو كان لبان . فمن عدم وجدانه نستكشف عدم وجوده ، ومن عدم وجوده عدم اعتباره .
وأمّا ثانيا : على فرض الشكّ في اعتباره يدفع اعتباره بالإطلاق المقامي ، وإن قلنا بعدم إمكان رفعه بالإطلاق الخطابي ؛ لعدم إمكان أخذ قصد الوجه والتمييز مثل قصد القربة في متعلّق الأمر ؛ لأنّه متأخّر عن الأمر ، فكيف يمكن أن يؤخذ في متعلّقه ، ويكون متقدّما عليه ؟ !
فإذا لم يمكن التقييد لا يمكن الإطلاق ؛ لأنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة وامتناع التقييد مساوق مع امتناع الإطلاق ؛ لأنّ هذا المحذور ليس في
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 72
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٧٢