فهذا الأمر مشترك بين القول الرابع وهذا القول ، وإنّما يمتازان بأنّ الحروف بناء على القول الرابع حاكية عن النسب المتقرّرة : إمّا في عالم العين والخارج ، وإمّا في عالم الاعتبار ، وإمّا في الذهن وفي مرحلة تشكيل القضية على ما بيّنا ذلك مفصّلا ، وأمّا بناء على هذا القول فهي موجدة لمعانيها في موطن الاستعمال .
الثالث : أنّ تلك المعاني الإيجادية لا موطن لها إلّا موطن الاستعمال ، ولا تقرّر لها في وعاء من أوعية الواقع أو الاعتبار إلّا في ذلك الموطن . ولازم ذلك أنّ حدوثها يدور مدار حدوث الاستعمال ، وبقاءها مدار بقائه .
الرابع : أنّ معانيها مغفول عنها حال إيجادها ، فكما أنّ الألفاظ مغفول عنها حال الاستعمال ؛ لفنائها في معانيها ؛ لأنّ نظر المستعمل حال الاستعمال ليس إلّا إلى المعاني ، وليس النظر إلى الألفاظ إلّا بنحو المرآتية ، وأمّا المرئي فهي المعاني .
كذلك المعاني التي توجد بالهيئات أو الحروف حيث إنّه لا موطن لها على الفرض إلّا موطن الاستعمال ، ولا تقرّر لها في أيّ وعاء من أوعية الواقع - لا ذهنا ولا خارجا ولا في عالم الاعتبار - فلا يمكن أن تكون ملتفتا إليها أصلا في الرتبة السابقة على الاستعمال ؛ لأنّ الالتفات إليها قبل الاستعمال لا يمكن إلّا بوجودها في الذهن وتصوّرها .
ومعنى هذا تقرّرها في الذهن وتحقّقها في غير موطن الاستعمال ، وهذا خلاف المفروض في الركن الثالث ، ولازم ذلك عدم تطرّق الإطلاق والتقييد اللحاظيين فيها . هذا حاصل ما استفدناه من بيانه .
واستدلّ على هذا المطلب بوجهين :
الأوّل : أنّ حرف النداء في مثل « يا زيد » لا يمكن أن يكون حاكيا عن
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 47
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٤٧