وقد عرفت : أنّ باب العلل الغائية خارج عمّا نحن فيه ، وذلك من دواعي الجعل وعلله لا من شرائط المجعول ، وكلامنا في الثاني لا في الأوّل . وما هو مؤثّر بوجوده العلمي في مقام جعل الحكم الوضعي أو التكليفي هو الذي نسمّيه بعلّة الجعل وداعيه ، وهو الذي أيضا نسمّيه بالعلّة الغائية .
وشرائط المجعول ترجع في الأحكام الوضعية إلى قيود الموضوع الخارجي ، الذي جعله الشارع موضوعا لذلك الحكم الوضعي ، كما إذا قال :
« العصير إذا غلا ينجس » ففي الحقيقة الغليان الذي جعل في ظاهر الدليل شرطا لنجاسة العصير ليس إلّا قيدا من قيود موضوعه ، فالموضوع للنجاسة عبارة عن العصير المغليّ .
وفي الأحكام التكليفية أيضا ترجع إلى قيود الموضوع ، لكن الموضوع في الأحكام التكليفية قد يكون بمعنى المكلّف وقد يكون بمعنى متعلّق المتعلّق .
والموضوع بأيّ واحد من هذه المعاني لا بدّ وأن يكون مقدّما على الحكم بجميع أجزائه ، وإلّا يلزم الخلف والمناقضة . وما ذكرنا فيما إذا أرجعنا الشرائط إلى قيود الموضوع واضح .
وأمّا لو قلنا بأنّها من علل وجود الحكم ؛ بمعنى أنّ لها تأثيرا في ثبوت الحكم ووجوده ، فيلزم منه تأخّر العلّة - ولو ببعض أجزائها - عن المعلول ، وأيضا يلزم تأثير المعدوم في الموجود .
فظهر لك ممّا ذكرنا : أنّه بناء على أن يكون جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقية لا على نحو القضايا الخارجية ، وكان الشرط شرطا للمجعول لا للجعل ، ولم يكن من المفاهيم الانتزاعية التي يمكن انتزاعها عن المتقدّم فعلا بواسطة وجود أمر متأخّر فيما بعد لا يمكن تأخّر الشرط عن المشروط ؛ أي
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 419
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٤١٩