تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح الأحكام — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
ثمّ بعد معرفة ذلك كلّه ليس كلّ مسألة ممّا ورد بخصوصه نصّ فيه ، بل يستنبط حكم الأكثر من أصول متلقّاة من صاحب الشريعة ، فيحتاج إلى قوّة قدسيّة يتمكّن بها من ردّ الفروع إلى الأصل . وبعد ذلك نقول : إنّ المستجمع للمقدّمات المذكورة ، بعد تعيينه أدلّة الأمور الشرعيّة واللغويّة ، إذا أراد الدخول في عرصة الاجتهاد فعليه أوّلا : أن يعلم أنّ جميع الأحكام الشرعيّة والوضعيّة أمور حادثة بعد عدمها ، بل وكذلك جميع موضوعاتهما ومتعلّقاتهما ، فيجعل أصل العدم في جميع ذلك نصب عينه وأدلّة الوجود بين يديه . فإذا وردت عليه مسألة وأراد استخراج حكمها فليسلّط الأصل أوّلا عليها وعلى أجزائها وجزئيّاتها وأوصافها وشرائطها ويجعله مرجعا وملجأ عند اليأس عن دليل الوجود . ثمّ يتفحّص عن أدلّة الوجود من بين الأدلّة التي عيّنها للاجتهاد ، فإن لم يعثر على دليل فليرجع إلى أصله ، وإن وجده سلّطه على الأصل ، ولا يغفل عن قدر تسلّطه عليه ؛ فإنّ المسألة قد يكون كلّية والدليل يتسلّط على بعض جزئيّاتها ، واللازم حينئذ إبقاء الباقي تحت أصله . فإذا سلّط الدليل ، فإن حصل منه أمر كلّيّ يكون ذلك أصلا طارئا له ، فيجعله مرجعا في مورده ويتفحّص عن معارضاته ، فإن لم يجد معارضا له فليرجع إلى أصله الثانوي ولا يخرج عنه إلّا بدليل . وإن وجده فيعمل بمقتضى التعارض ، فإن كان خاصّا فليخصّص به دليله ويجعل الحاصل أصلا آخر ، وهكذا . وإن كان عاما من وجه أو مساويا فينظر في وجوه التراجيح ويفعل ما يقتضيه نظره . وإن كان الدليل الذي حصّله في المسألة من الأدلّة اللفظيّة ، فيجعل الأصول الثلاثة اللفظيّة مدّ نظره ولا يخرج عن مقتضى شيء منها إلّا مع الدليل المخرج . ثمّ إنّ ذلك النظر والردّ إلى الأصول والترجيح من مثل هذا الشخص هو الاجتهاد بمعنى العمل ، والقوّة المذكورة هو الاجتهاد بمعنى الملكة . ومن حصلت له هذه
مفتاح الأحكام — صفحة 140 | المحقق النراقي