وأنت خبير بأنّ حمل العبارة المذكورة على ذلك بعيد جدّا ، بل لا إشارة فيها بذلك أصلا ، إذ لا إشعار في كلامه لفرض المسألة في خصوص صورة المعارضة بين الدليلين فضلا عن اعتبار المكافئة بينهما ، وإنّما ذكر في كلامه المعارضة بين القولين وعدم إمكان ترك مقتضى الاحتمالين ، حيث إنّه لا مندوحة للمكلّف عن اختيار أحد الوجهين ، كيف ؟ وقد بنى المورد كلامه على نفى حجّية الظن ، وحينئذ فلا تفاوت بين حصول المعادلة بينهما في القوّة والضعف وعدمها ، فإنّه إنّما يفرّق بين الأمرين في الأدلّة المعتبرة في الجملة دون ما لا عبرة بها مع الانفراد فضلا عن المعارضة .
ثمّ إنّه لو سلّم فرض مسألة في صورة المعادلة بين دليلي القولين وعدم حصول مرجّح لأحد الجانبين لم يقض ذلك بانتفاء المندوحة في المقام بوجه من الوجوه ، إذ المفروض عدم حجّية شيء من الظنّين وكون وجودهما كعدمها ، فكيف ترتفع المندوحة من جهتها ؟ وما ذكره من أنّه « لو كان أحدهما راجحا . . . إلى آخره » غير متّجه ، إذ مع كون الأصل رافعا للمظنون يكون رافعا لغيره بالأولى فكيف يجعل المرفوع بالأصل حينئذ خصوص المظنون ؟
حتّى يكون المندوحة في المقام بأخذ مقابله وإن كان هو أيضا مخالفا للأصل كما هو المفروض في المثال .
وبالجملة : أنّ بناء المورد على الأخذ بمقتضى الأصل
شرح هداية المسترشدين ( حجية الظن ) — صفحة 639
مساهمون: محمد باقر بن الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٦٣٩