Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 486

Contributors:

P.486
الامتثال من الظن وأما الكبرى فظاهرة والجواب عنه أما أولا فبأن العلم والظن مشتركان فيما ذكر إذا كان الظن منتهيا إلى اليقين كما هو المفروض في المقام لظهور كون المكلف في مقام العمل عالما بالتكليف قاطعا به نعم لو قيل بابتناء التكليف على الظن من حيث إنه ظن لربما أمكن التمسك في دفعه بما ذكر فظهر فساد ما قد يقال إنه مع كون المسألة ظنية لا كون على ترتب الثواب أو العقاب ليكون ذلك داعيا إلى الإقدام والإحجام نظرا إلى وضوح ترتب الثواب أو العقاب على مخالفة الأحكام الظاهرية لقيامها مقام الواقعية بل قد يقال بإناطة الثواب والعقاب مدار التكليف الظاهري سواء طابق الواقع أو لا وإن أمكن القول باختلاف الثواب والعقاب مع المطابقة وعدمها وذلك لا يستلزم التصويب كما لا يخفى وأما ثانيا فبالمنع من كلية الكبرى إذ ليس كل لطف واجبا عليه تعالى كيف وظهور الإمام عليه السلام من اللطف على الوجه المذكور قطعا ودفع أهل الفساد المانعين من تمكنه من اللطف كذلك فيكون واجبا عليه تعالى مع أن المعلوم خلافه فلا مانع من أن يكون البناء على الظن في أزمنة الغيبة وانقطاع اليد عن الرجوع إلى الأئمة عليهم السلام من قبيل ذلك بل يمكن أن يكون ذلك من فروعه حيث إن انسداد سبيل العلم إنما جاء من جهة غيبة الإمام عليه السلام وخفاء طرق الأحكام فيكون الأمران من قبيل واحد مضافا إلى أن كون التكليف بالعلم لطفا محل منع بل قد يقال بأن عدم إلزام المكلفين بتحصيل اليقين في خصوصيات التكاليف هو اللطف لما في إناطة التكليف بخصوص العلم بالأحكام من الحرج التام ولذا اكتفي الشارع في زمانه عن المكلفين الأخذ بعدة من الطرق الظنية مع انفتاح سبيل العلم حينئذ كما أشرنا إليه في محله ومنها أن الظن مداركه مختلفة غير جارية على وجوه منضبطة فلا يكون الأحكام المبتنية عليها جارية على قانون واحد بل يختلف جدا بحسب اختلاف الآراء ومثل ذلك لا يصلح أن يكون مدارا للتكليف سيما بالنسبة إلى عامة الأنام إلى قيام القيام ويوهنه أن ذلك لو تم فإنما يتم لو قلنا بكون المرجع هو مطلق الظن من أي طريق وأما إذا قلنا بكون المناط هو الأخذ بظنيات خاصة والتمسك بقواعد مخصوصة منضبطة كما هو المختار فلا مضافا إلى أن ذلك وجه استحساني لا يصلح حجة لتأسيس حكم شرعي وأي مانع من اختلاف التكاليف في ظاهر الشريعة على اختلاف الظنون وإن كان الحكم الواقعي أمرا واحدا ومنها أنه يتفرع على بناء التكاليف على الظنون وجوه من الفساد من إثارة الفتن وإقامة الحروب وسفك الدماء ونحوها فلا يقع التكليف به من الحكيم كيف وذلك من شبهات العامة في الاعتذار عما صدر من سلفهم من وجوه الفساد في الإسلام من إثارة الحروب وسفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الأموال وغيرها ويدفعه أن الأخذ بالطرق الظنية الشرعية على الوجه المعتبر في الشريعة لا يفضي إلى شيء من ذلك بل نقول إنها في الانضباط ليست دون الوجوه العلمية وجعل الاجتهاد فساد الشرعي عذرا لإقدام أولئك على الفساد لا يقضي بفساد الرجوع إلى الاجتهاد مع وضوح فساد دعواهم في ذلك الاستناد كيف وربما يعتذرون لهم بقطع كل منهم بشرعية ما يأتي به من الفساد مضافا إلى اتفاق الفريقين على جواز العمل بالظن في الجملة بالنظر إلى الموضوعات وإثارة الفتن وإقامة الحروب ونحوها إنما يتفرع في الغالب على ذلك دون نفس الأحكام الشرعية واعتذار العامة عن سلفهم إنما هو بالنظر بالنسبة إلى ذلك غالبا فلو تم ذلك لقضي بعدم جواز الرجوع إلى الظن في ذلك ولا قائل به ومنها أن الاجتهاد أمر خفي لابتنائه على الاستنباطات الخفية وعلى الملكة التي يقتدر بها على استنباط حكم المسألة وهي أيضا من الأمور الخفية النفسية فلا يمكن أن يكون مناط الأحكام الشرعية سيما بالنسبة إلى جميع الأمة ووهنه واضح إذ لا خفاء في شيء من ذلك عند المجتهد والعامي ليس وظيفته الرجوع إلى الأدلة فلا ربط لخفاء وجوه الاستنباط لذلك وعلمه بكونه من يقلده بالغا درجة الاجتهاد يحصل بالرجوع إلى أهل الخبرة أو بغيره مما يجيء الإشارة إليه فنفس الملكة وإن لم تكن ظاهرة إلا أن الطريق أمر ظاهر كما هو الحال في العدالة وغيرها من الملكات مضافا إلى جريان ذلك على طريقة الأخباريين أيضا إذ لا بد عند المحققين منهم في الرجوع إلى الأدلة الشرعية من الاقتدار على فهم الأخبار والجمع بينها والتمكن من رد الفروع إلى الأصول وذلك أيضا من الأمور النفسية الغير الظاهرة فلو كان ذلك مانعا لجرى في كل من الطريقين

المسألة الثانية أنهم اختلفوا في وجوب تجديد النظر على المجتهد عند تجدد الواقعة

التي اجتهد في حكمها وجواز بقائه على مقتضى اجتهاده الأول إلى أن ينساه أو يتغير رأيه عنه فيجوز له الإفتاء باجتهاده السابق في الوقائع المتأخرة من غير حاجة إلى اجتهاد آخر على أقوال ثالثها التفصيل بين نسيان دليل المسألة وعدمه فيجب عليه تجديد الاجتهاد في الأول دون الثاني ذهب إليه المحقق والسيد العميدي وحكى القول به عن الإمام والآمدي وعزاه في النهاية إلى قوم وقال العلامة في قواعده إنه تفصيل حسن يقرب من قواعدهم الفقهية رابعها التفصيل بين ما إذا قربت قوته في الاستنباط لكثرة الممارسة والاطلاع على وجوه الأدلة وعدمها فيجب على الأول دون الثاني وقد نفي عنه البعد في الزبدة ومال إليها فاضل الجواد في شرحها والمحكي عليه الشهرة بين الأصوليين من أصحابنا والعامة هو القول بعدم وجوب تجديد النظر مطلقا وقد احتجوا عليه بوجوه أحدها استصحاب الحكم الثابت بالاجتهاد الأول ثانيها حصول ما وجب عليه من الاجتهاد بالمرة الأولى نظرا إلى تعلق الوجوب بالطبيعة وحصول الطبيعة بالمرة ووجوب الإتيان مرة أخرى يحتاج إلى قيام دليل عليه عدا ما دل على وجوب أصل الاجتهاد وحيث لم يقم دليل آخر عليه قضى ذلك بالاجتزاء بالمرة الأولى وغاية ما يتخيل احتمال وجوب التجديد إمكان اطلاعه على ما لم يطلع عليه في الاجتهاد السابق وهو مع عدم قيام دليل على نفسه من الحكم مدفوع بالأصل على أنه لو كان مانعا بالحكم لجرى بالنسبة إلى الموانعة مع أنه لا يجب تكرار النظر بالنظر إليه بالاتفاق ثالثها أن القول بوجوب تجديد النظر موجب للعسر العظيم والحرج الشديد المنفي في الشريعة نظرا إلى شيوع تكرار الوقائع سيما فيما يعم به البلوى فوجوب تكرر الاجتهاد بحسبها باعث على ما ذكرنا رابعها جريان السيرة المستمرة على عدم وجوب التكرار ولذا لو سئل مجتهد عن المسألة التي اجتهد فيها مرات عديدة لم يتوقف عن الإفتاء في غير المرة الأولى بل بقي آخرا بما ذهب إليه أولا من غير تأمل أصلا وربما يستدل له أيضا بإطلاق ما دل على حجية كل من الأدلة الشرعية فإن قضية ما دل على ذلك هو جواز الرجوع إلى كل منها والأخذ بما يدل