Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 485

Contributors:

P.485
حكما ثم عدلوا عن فهمهم وإن كان إمكان ذلك في شأنهم مكابرة ظاهرة وحينئذ فنقول إن حكم الأخباري قابل للتغيير إلى آخر ما ذكر وأما ثانيا فبأنه لو تم فإنما يتم لو قلنا بكون ما يفيده الظن هو حكم الله الواقعي ليكون الأخذ به مطلوبا من حيث كشفه عن الواقع وكونه طريقا إليه ليكون حكما ظاهريا كما هو المذهب عندنا فلا إذ تغيير الأحكام الظاهرة غير عزيز في الشريعة وقد اتفق عليه الفريقان كما إذا وجد شيئا في أسواق المسلمين فحكم بحله ثم علم بعد ذلك كونه حراما لو أخذ لحما من يد مسلم ثم علم كونه لحم خنزير أو ميتة فإن حكمه بالحل أولا حكم ظاهري قد انكشف بعد ذلك خلافه ولو جعل كلا من الحل والحرمة المتعلقين بالموضوع الواحد حكما واقعيا في المقام فمع وضوح فساده يجري الدليل المذكور بالنسبة إليه أيضا فلا بد من الالتزام بفساده والقول بعدم جواز الأخذ بأحد الحكمين المذكورين وهو واضح الفساد فظهر أنه لا دلالة لأبدية الأحكام على عدم جواز الأخذ بالاجتهاد القابل للتغيير إذ لا يتوهم أحد نسخ الحكم بعد رجوع المجتهد عنه حتى يلزم انقطاع الحكم وخروجه عن التأبيد بل ليس اختلاف الحكم من جهة الاختلاف في الاجتهاد والرجوع عن الحكم الأول إلا ظاهريا كالاختلاف الحاصل في الحكم المتعلق بالموضوع الواحد من جهة انكشاف خلاف ما يثبت أولا كما عرفت في المثال المذكور فكما يحكم هناك بالحل في وقت وبالحرمة في وقت آخر مع كون الحكم الواقعي المتعلق بذلك الموضوع المعين شيئا واحدا لا يختلف بحسب اختلاف العلم والجهل به فكذا في المقام وكما أن ذلك لا يقضي بانقطاع حكم الشريعة وخروجه عن التأبيد فكذا الحال في محل الكلام وأما ثالثا فبأنه إن أراد بقوله كل حكم اجتهادي قابل للتغيير بالنسبة إلى الموضوع المفروض حينئذ مع جميع خصوصياته فممنوع ضرورة أنه ما دام المجتهد باقيا على حاله الأول لا يمكن تغيير ذلك الحكم في بيانه أصلا وإن أراد أنه قابل للتغيير في الجملة ولو بسبب تغير حاله كأن يصير ظانا بخلاف ما ظنه أولا فممنوع ولا مانع منه ضرورة أن أبدية الأحكام لا تقضي بعدم اختلافها بحسب اختلاف أحوال المكلفين كيف واختلاف صلاة الحاضر والمسافر والصحيح والمريض والقادر والعاجز من الضروريات ولا منافاة فيه لأبدية الأحكام الثابتة بالضرورة أصلا فكذا الحال في المقام ورابعا فبأنه إن أراد بكون كل حكم اجتهادي قابلا للتغيير أن ما يحكم به المجتهدون من الأحكام قابل للتغيير فهو ممنوع بل فاسد لأن ما يدركه من الأحكام غير قابل للتغيير عما هو عليه فإنه إن كان ما أدركه مطابقا للواقع لم يكن قابلا للتغيير عما هو عليه وإن أدرك بعد ذلك خلافه غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه ثانيا وإن كان غير مطابق للواقع فكذلك أيضا غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه أولا وإن أريد به أن نفس حكمه وإدراكه قابل للتغيير بأن يدرك ثانيا خلاف ما أدركه أولا فيزول إدراكه الأول ويخلفه الثاني فممنوع ولا يلزم من ذلك أن يكون إدراكه مطلقا منافيا للشريعة الأبدية كما هو القضية الكلية المدعاة إذ قبول الإدراك للتغيير إنما يقضي بعدم الملازمة بينه وبين إصابة الواقع لأنه لا يكون مصيبا للواقع مطلقا فأقصى ما يلزم من الدليل المذكور أن ظنون المجتهدين قد تصيب الواقع وقد تخطيه وهذا مما اتفق عليه أصحابنا واتفقوا مع ذلك على وجوب العمل بظنه إذ لا منافاة بين عدم إصابة الظن للواقع ووجوب العمل بمؤداه كما هو الحال في سائر الطرق المقررة في الشريعة فلا تغفل ومنها أن الدليل الدال على وجوب عصمة الإمام عليه السلام قاض بعدم جواز الرجوع إلى الظن فإنهم قالوا باعتبار العصمة في الإمام عليه السلام من جهة حصول الاعتماد بقوله على قوله والوثوق بما يؤدّيه فقضية ذلك أن لا يجب اتباع ما لا يقطع مصادفته للواقع ويحتمل فيه انتفاء الإصابة نظرا إلى العلة المذكورة فكما أن جعل الإمام حجة يقضي بعصمته فيكون كلامه مفيدا للقطع وحجة قاطعة للعذر في الكشف عن الواقع كذا كون سائر الوجوه والأدلة حجة على المكلف يتوقف على كونها مفيدة للقطع كاشفة عن الواقع ليكون قاطعة لعذر المكلف ومن البين أن رأي المجتهد مما لا وثوق بكشفه عن الواقع بالنسبة إلى المجتهد نفسه فكيف لغيره وفيه أولا أن ذلك منقوض بما يذهب إليه الأخبارية من جواز رجوع الجاهل إلى العالم والبصير بالأخبار وكذا اعتماد العالم بقول الثقة ومن البين أن قول الواحد لا يفيد العلم بالواقع لو فرضنا حصول العلم بوثاقته بالمعاشرة الباطنة الموصلة إلى درجة اليقين بالعدالة مع أنه في كمال القدرة لعدم بلوغه بذلك إلى درجة العصمة كيف ولولا كذلك لاكتفي بذلك في الإمام أيضا فكيف مع الاكتفاء فيها بحسن الظاهر كما هو المذهب إذ لا يقطع معه بحصول العدالة فضلا عن القطع بمطابقة ما يحكيه للواقع فلو تم ما ذكروه لقضي باعتبار العصمة في الوسائط التي بين المكلف وبين الأنام في زمان الحضور في أزمنة الغيبة مضافا إلى أن القواعد المقررة في الشريعة لاستكشاف أحكام الموضوعات كأصالة طهارة الماء وأصالة صحة فعل المسلم وقبول أخبار ذي اليد ونحوها لا يفيد قطعا بالواقع مع أن الشارع حكم بجواز الرجوع إليها اتفاقا من الفريقين بل إجماعا من المسلمين وكذا الحال في استصحاب حكم العموم إلى أن يأتي المخصص واستصحاب الحكم الثابت إلى أن يثبت نسخه ولو قيل بحصول القطع هناك بتجويز الشرع فهو بعينه جاز في المقام إذ القائلون بحجية الظن إنما يقولون به لقيام الدليل القاطع عليه لا بمجرد كونه ظنا وثانيا بالفرق الظاهر بين الإمام والمجتهد فإن الإمام عليه السلام أمين الله على كافة الأنام وله الرئاسة العامة ووجوب الطاعة على الخاص والعام وهو مرجع الجميع في استفادة الأحكام ومع ذلك لا يستند في العلم بها إلى الأسباب الظاهرة ومن البين أن مجرد العدالة غير كاف في اطمئنان النفس بمثل ذلك إذ لا تطمئن بقول العدل إذا ادعى شيئا خارجا عن المعتاد خارقا للعادة الجارية بين الناس بل يتسارع الظنون إليه بالتهمة نعم لو دل الدليل على عصمته كان قوله برهانا قاطعا لا مجال لإنكاره فالفرق بينه وبين المجتهد ظاهر من وجوه شتى فاعتبار العصمة فيه لا يقضي باعتبارها في المجتهد الذي هو بمنزلة الراوي عنهم عليهم السلام ولا يكون السبيل الذي يستنبطه ذلك المجتهد قطعيا بعد القطع بوجوب العمل بمؤداه ومنها أن فتح سبيل العلم على المكلفين وتكليفهم بالعلم بالأحكام من اللطف فيجب أن يكون حاصلا لوجوب اللطف على الله تعالى أما الصغرى فلما فيه من تعويل العبد إلى الطاعة وإبعاده عن المعصية ما ليس في الظن لوضوح أن اليقين ادعي إلى تحصيل