Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 477

Contributors:

P.477
إلى الوجه المذكور مبني على جواز التقليد في مسائل الأصول كما أن مع عدم القول بجوازه لا يتم له الاحتياط بمراعاة ذلك فحينئذ نقول إنه إما أن يكون المتجزي قادرا على استنباط حكم التجزي أو لا وعلى الأول فإما أن يكون مرجحا لجواز التجزي أو لمنعه وعلى التقادير المذكورة فإما أن يكون من يرجع إليه قائلا بالتجزي أو مانعا منه فيجري فيه الاحتمالات الستة المتقدمة أيضا وإن كان عاجزا عن ترجيح مسألة التجزي تعين عليه الرجوع إلى المجتهد المطلق في جوازه ومنعه لوضوح وجوب التقليد عليه فيما لا يقدر على استنباطه فعلى الأول يأخذ بظنه وعلى الثاني يرجع إلى تقليد المجتهد في المسائل وإن كان قادرا عليه وكان قائلا بجوازه كالمجتهد الذي يرجع إليه فلا إشكال وإن كان من يرجع إليه قائلا بمنعه فلا مجال للاحتياط فيه على المجتهد كما هو الحال في عكسه بل يتعين فيهما الرجوع إلى أحد الوجهين المذكورين ولو كانا ناقلين بمنع التجزي تعين عليه الأخذ بالتقليد هذا كله مع إمكان الاحتياط في حقه على أحد الوجوه المذكورة وأما مع عدم إمكانه فإن كان مرجحا لجواز التجزي وحجية ظن المتجزي تعين عليه الأخذ به كتعين أخذه بالتقليد إذا كان مرجحا لعدمه وذلك لقضاء العقل بقيام الظن بتفريغ الذمة مقام العلم به بعد انسداد سبيله والمفروض حصوله بذلك ولو كان متوقفا في المسألة من غير ترجيح لأحد الجانبين تخير بين الوجهين ولا ترجيح حينئذ بين الأخذ باجتهاده نظرا إلى تحصيله الظن بالواقع لما عرفت فيما مضى من أن المناط أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة فينوب منابه الظن بالتفريغ بعد انسداد باب العلم به والمفروض عدم حصوله في المقام لتساوي الاحتمالين عنده في مقام الفقاهة فالرجوع إلى ظنه وإن كان راجحا من جهة تحصيل الواقع إلا أن رجوعه إلى ظن المجتهد المطلق أرجح من جهة أخرى كما لا يخفى والحاصل أن المفروض تساوي الاحتمالين في نظره بحسب التكليف فلا مناص له عن التخيير ومما ذكر يظهر ما في كلام بعض الأفاضل من أنه مع عدم تمكنه من الأخذ بالاحتياط يتخير بين العمل بظنه وتقليد المجتهد المطلق كما هو الحال في الخبرين المتعارضين لكن الأولى أخذه بما أدى إليه ظنه لرجحان القول به إذ مع رجحان القول بأخذه بظنه لا وجه لتخيير بينه وبين الوجه المرجوح لقطع العقل إذن بترجيح الراجح بعد القطع ببقاء التكليف وعدم إمكان الاحتياط وليس المانع من الأخذ بظنه من أول الأمر إلا أن تقدم الأخذ بالاحتياط على الرجوع إلى الظن فمع فرض عدم إمكانه وحصول الظن بكونه مكلفا شرعا بالأخذ بظنه لا وجه لجواز أخذه بالطرف المرجوح وكذا الحال لو ترجح عنده الرجوع إلى التقليد كما هو الحال في الخبرين المتعارضين إذا كان أحدهما على الآخر في إفادة ما هو المكلف به في ظاهر الشريعة نعم لو تساوى الاحتمالان في نظره تعين البناء على التخيير حسبما بيناه ومن ذلك يظهر ضعف ما في كلام بعض آخر من تعيين أخذه بظنه بعد انسداد سبيل العلم بالواقع أو مع الغض عن تكليفه أولا لمراعاة الاحتياط يرد عليه أن اللازم عليه مراعاة ما هو الراجح عنده في أداء التكليف دون ما يظن معه بأداء الواقع إذ قد يظن عدم أدائه التكليف الشرعي بالرجوع إلى ظنه أو يتساوى عنده الوجهان فلا وجه للترجيح مع تساويها بالنسبة إلى أداء التكليف فتأمل قوله بمعنى جريانه في بعض المسائل لما كان التفسير المذكور مشعرا بكون الكلام في جواز التجزي بحسب الفعلية وعدمه بأن يستفرغ وسعه في تحصيل بعض المسائل دون بعضها ولو كانت القوة والملكة تامة عقب ذلك بقوله بأن يحصل للعالم إلى آخره مقيدا بذلك كون التجزئة المذكورة لنقص الاقتدار على الاستنباط لا بمجرد عدم التصدي لاستفراغ الوسع في ذلك البعض فيكون محل الكلام على ظاهر كلامه في جواز تجزي القوة وعدمه وقد فرع عليه جواز الاستفراغ في ذلك البعض بمعنى حجية ظنه في ذلك وعدمه وأنت خبير بأن تقرير النزاع في جواز التجزي في نفس الاقتدار والقوة في كمال الضعف لوضوح جوازه كما مرت الإشارة إليه كيف والقوة على استنباط الكل مسبوق غالبا بالقوة الجزئية فإن الاقتدار على الجميع لا يحصل غالبا إلا على سبيل التدريج ثم مع البناء على جواز التجزي في القوة لا وجه لتفريع حجته على ذلك نعم قد يقال حينئذ بعدم حجية الظن له كما هو الظاهر من كلام المانعين والجواب عنه ما عرفت من أن المقصود من الاجتهاد في المقام هو الاستفراغ المعتبر عن أهل الشرع إذ هو المعنى المصطلح عندهم دون مطلق الاستفراغ وحينئذ يتجه تقرير النزاع في جواز التجزي بحسب القوة والملكة إذ القدر المعلوم الذي ليس قابلا للنزاع هو مجرد الاقتدار على تحصيل الظن ببعض المسائل دون البعض دون الاقتدار عليه على الوجه المعتبر وحينئذ يندفع عنه ما ذكر من عدم صحة التفريع المذكور لوضوح تفريع حجية ظنه على القول بقبوله للتجزي كما هو ظاهر العبارة ففي تعبير المصنف رحمه الله إشارة إلى ما ذكرناه وقد يجعل قوله يجتهد فيها أولا بيانا لمحل النزاع فيكون المقصود أنه بعد تحصيل ما هو المناط في الاجتهاد بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعضها هل يجوز الاجتهاد في ذلك البعض أو لا فليس المفروض في تقرير الخلاف في جواز تجزي القوة وعدمه بل في حجية ظن المتجزي وعدمها وهو بعيد عن ظاهر العبارة كما لا يخفى قوله وذهب العلامة رحمه الله إلى آخره وقد اختار ذلك جماعة ممن تأخر عن هؤلاء كشيخنا البهائي ووالده وصاحب الوافية وكشف اللثام واختاره أيضا جماعة من العامة منهم الرازي والتفتازاني وابن العماني وقد حكي القول عن المعظم قوله وصار قوم إلى الثاني وكأنهم من العامة إذ لم نجد في أصحابنا ممن تقدم على المصنف من صرح بالمنع منه قوله أنه إذا اطلع على دليل المسألة بالاستقصاء إلى آخره توضيح الاستدلال أن المناط في حجية ظن المجتهد المطلق في كل مسألة بعد استفراغ وسعه في الأدلة القائمة عليها هو اطلاعه على الأدلة الموجودة في تلك المسألة ووقوفه على وجوه دلالتها وما هو المناط في قوة الظن فيها على حسب وسعه وطاقته بحيث يحصل العلم أو الظن بانتفاء ما ينافيها والمفروض حصول ذلك للمتجزي إذ الكلام فيما إذا اطلع على الأدلة القائمة في المسألة التي اجتهد فيها على نحو المجتهد المطلق من غير فرق بينها سوى اقتدار المطلق على استنباط الحكم في غيره وعدم اقتداره أو اطلاعه على الأدلة القائمة في غيرها وعدم اطلاعه وهذا مما لا مدخل له قط في استنباط حكم هذه المسألة المفروضة ضرورة أن استنباط حكم المسألة إنما يتوقف على الأدلة القائمة عليه دون غيره فلا ربط له بحجية ظنه
هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 477 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني