Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 408

Contributors:

P.408
ويكون ما دل على الجواز من الدليل القطعي مقابلا بأصالة البراءة دون الدليل الظني القاضي بوجوب الاجتناب وهو كلام ساقط جدا لو تم يقضي بعدم جريان أصالة البراءة والإباحة في شيء من المقامات ثم إن للفاضل المذكور إيرادا متأخرا على هذا الإيراد أجبنا إيراد جملة منها في المقام ونشير إلى ما يرد عليها من الكلام حتى يتضح به حقيقة المرام منها منع جواز الإسناد في رفع التكليف إلى أصل البراءة وقوله إن العقل يحكم بأنه لا يثبت تكليف إلى آخره يظهر إن أراد به الحكم القطعي فهو أول الكلام كما يعرف من ملاحظة أدلة أصالة البراءة سيما بعد ورود الشريعة والعلم الإجمالي بثبوت الأحكام الشرعية خصوصا بعد ورود مثل خبر الصحيح في خلافه وإن أراد الحكم الظني كما يشعر به كلامه سواء كان بذاته مفيدا للظن أو من جهة استصحاب الحالة السابقة فهو ظن مستفاد من ظواهر الأخبار والآيات التي لم يثبت حجيتها بالخصوص مع أنه ممنوع بعد ورود الشرع ثم بعد ورود الخبر الصحيح الوارد إذا حصل منه ظن أقوى ومنها أن قوله ويؤكد ذلك إلى آخره فيه أنها عمومات لا تفيد إلا الظن بل هي ظاهرة في غير الفروع وشمول عموم ما دل على حجية ظواهر القرآن لما نحن فيه ممنوع لأنه إن كان هو الإجماع ففيما نحن فيه أول الكلام وإن كان غيرها فليس إلا الظنون الحاصلة من الأخبار وقد مر الكلام في الاستدلال بها ومنها أن قوله وأما فيما لم يكن مندوحة عنه إلى آخره إن أراد به بيان التخيير المفروض مفاد أصل البراءة فيقدم على الدليل الظني فهو فاسد إذ بعد تعارض دليل القولين لا شيء في مقابلة أصل البراءة حتى يقال إنه ظن لا يعمل به بل يرجع الكلام إلى جريان أصل البراءة فيما لا نص فيه ومقابله حينئذ أدلة التوقف والاحتياط والمورد أيضا لا يقول بذلك فإنه لا يقول ببراءة الذمة عن مقتضى القولين جميعا لعده ذلك بما لا مندوحة عنه والمستدل أيضا لا يقول به لذهابه إلى ترجيح الظن وإن أراد أن هذا التخيير إنما هو في العمل بما اختاره من القولين ومع اختيار أي منهما يكون العمل به واجبا عليه فذلك مما لا ربط له بأصل البراءة انتهى ملخصا ويتوجه عليها أما على الأول فأولا بأن منظور المورد هو المنع من قضاء انسداد باب العلم بالرجوع إلى الظن ووجوب الأخذ به باحتمال الرجوع إلى أصل البراءة وترك العمل بالظن نظرا إلى حكم العقل إلى آخره وحجة المنع لا يتوقف على قطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء العلم بالواقع كيف ولو أراد ذلك لما أبدى للإيراد المذكور بصورة المنع ولو ادعى للعلم بذلك فإن ادعى كونه ضروريا عند العقل لزم أن يكون القول بحجية الظن عنده مصادما للضرورة وهو واضح الفساد وإن ادعى كونه نظريا كان الدليل الموصل إليه معارضا للدليل المذكور وهو خلاف ما يعطيه كلام المورد إذ ليس بصدد المعارضة ولو أراد ذلك لكان اللازم عليه حينئذ بيان ذلك حتى يتم المعارضة مع أنه لم يشير إليه في الإيراد وثانيا نختار أن المراد بحكم العقل قطعه بانتفاء التكليف مع انتفاء العلم لكن لا يريد به خصوص العلم بالواقع بل ما يعمه والعلم به من الطريق المقرر للوصول إلى الحكم وإن لم يكن مفيدا للعلم بالواقع ولا الظن به أيضا وقطع العقل حينئذ بانتفاء التكليف ظاهر لوضوح قبح التكليف مع انتفاء طريق موصل إليه من العلم وما يقوم مقامه من الطرق المقررة ومحصل الإيراد في المنع من قضاء انسداد باب العلم بالرجوع إلى الظن لاحتمال الحكم بسقوط التكليف نظرا إلى ما قطع به العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء السبيل الموصل إليه فكما أن انسداد سبيل العلم بالواقع هو الذي هو الطريق المقرر أولا للوصول إليه قد يكون قاضيا بانتفاء سبيل آخر إلى الواقع كما هو مقصود المستدل وذلك فيما إذا علم بقاء التكليف بعد حصول الانسداد وكذا قد يكون قاضيا بسقوط التكليف مع عدم العلم ببقائه نظرا إلى انسداد الطريق إليه وقطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء طريق إليه فظهر بما قررنا أن قطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء الطريق إليه قد يقتضي قطع العقل في المقام بانتفاء التكليف إذ كون الظن حينئذ طريقا إلى الواقع هو المبحوث عنه في المقام فما ذكره من أن حكم العقل ببقاء التكليف حينئذ أول الكلام مشيرا به إلى أن ذلك نفي تعين المدعى كما ترى والظاهر أن ما ذكر غير قابل للمنع فإنه من الواضحات حسبما مر الكلام فيه كيف ولو لم يتم ما ذكره القائل بحجية الظنون من الدليل المذكور وغيره مما احتجوا به على ذلك لما قال بحجية الظن فمنع ذلك في المقام ليس في محله وكذا لا فرق في ذلك مطلقا بعد ورود الشرع وقبله فإن عدم ثبوت التكليف من غير طريق للمكلف إلى الوصول إليه أمر عقلي لا يختلف الحال فيه قبل ورود الشرع وبعده وثالثا أن تسليم كون نفي التكليف حينئذ مظنونا كاف في مقام رفع الحجية وليس من قبيل الاستدلال بالظن على الظن ليدور دفع الظن بالظن مما لا مانع منه فإنه لو كان حجة لم يكن حجة وما يستلزم وجوده عدمه فهو باطل وقد مر الكلام فيه وأما على الثاني فبأن كونها عمومات لا تفيد إلا الظن على فرض تسليمه كاف فيما هو مقصود المعترض عن دفع حجية الظن لما عرفت من جواز دفع الظن بالظن وأيضا لم يستند إليها المورد في مقام الاستدلال حتى يورد عليه بذلك وإنما ذكره في مقام التأييد والاستشهاد ليتبين اعتضاد ما ادعاه من حكم العقل بالشواهد الشرعية ومن الواضح كفاية الدلالة الظنية في ذلك فلا وجه للإيراد عليه بكونه ظنيا ودعوى كونها ظاهرة في غير الفروع مما لا وجه له كما مرت الإشارة إليه وما ذكره من منع شمول عموم ما دل على حجية القرآن لمحل الكلام غير متجه أيضا وكأنه أراد به منع شمول ما دل على حجية الكتاب بالنسبة إلى هذه الأعصار وحسب ما أشار إليه في محل آخر وهو مدفوع بما قرر في محله حتى إن الإجماع القائم على حجيته شامل لذلك أيضا كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله ولو أراد بذلك المنع من الحجية بالنسبة إلى خصوص محل الكلام نظرا إلى حصول الخلاف فالمانع من قيام الإجماع على حجيته بحيث يشمل المقام فهو موهون جدا لوضوح أن الإجماع القائم على حجية الكتاب لا ينافي الخلاف الواقع في المسائل التي دل بها الكتاب على حكمها فلا وجه للقول بكونه شمول الإجماع لما نحن فيه أول الكلام وأما على الثالث فبأن القول بكون التخيير المذكور مفاد أصالة البراءة إنما يصح بدفع خصوص كل من الوجهين بالأصل حيث لم يقم عليه دليل قاطع ولما لم يكن هناك مندوحة من الأخذ بأحدهما لقيام الدليل القاطع على وجوب أحدهما نظرا إلى اتفاق الفريقين عليه لزم البناء على التخيير وحينئذ فليس التخيير المذكور مفاد أصل البراءة خاصة بل إنما يجيء من جهة العلم بوجوب أحدهما مع عدم ثبوت كل من الخصوصيتين لعدم قيام دليل قاطع عليه فأصالة البراءة هنا واقعة لكل من الدليلين الظنيين سواء كانا متعادلين أو كان أحدهما راجحا على الآخر وانتفاء المندوحة إنما يجيء من قيام الدليل القاطع على وجوب أحدهما فلا مناص عن الأخذ
هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 408 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني