Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 111

Contributors:

P.111
العرف دلالة عليه وهو مما يؤيد القول المذكور وثانيا أن تلك الأوامر هي الدالة على كون تلك الأعمال عبادة مطلوبة للشارع فيعلم بذلك كون تلك الألفاظ مستعملة في تلك العبادات فلو لا ما دل على مطلوبيتها لما علم كون تلك الألفاظ من أسامي العبادات وأن مداليلها من الأمور الراجحة فغاية الأمر أنه بعد تعلق الطلب بها ومعرفة كون تلك الأفعال عبادة يمكن الرجوع قهقرى واستعلام المطلوبية من مجرد اللفظ وأين ذلك من عدم صحة تعلق الأمر بها كما هو المدعى هذا بالنسبة إلى الأوامر الابتدائية التي يستفاد منها أصل المطلوبية وأما الأوامر المتكررة الواردة بعد معرفة كون تلك الأفعال عبادة مطلوبة فهي أيضا مما لا مانع في ورودها فإنها كالأمر بالطاعة مع أن الطاعة فيما يراد اتحاد الفعل هي موافقة الأمر فغاية الأمر أن تكون مؤكدة وهي إنما سيقت لأجل ذلك وثالثا أن تعلق الأمر بها يفيد كون ما تعلق به واجبا إن كان الأمر إيجابيا أو مندوبا إن كان ندبيا وذلك لا يستفاد من مجرد ملاحظة الألفاظ المذكورة فإنها إنما تدل على المطلوبية في الجملة الأعم من الوجوب والندب وقد يناقش فيه بأن غاية ما يصحح به من ذلك كون تعلق الأمر الإيجابي أو الندبي مفيدا وأما إذا كان اللفظ الدال على المطلوبية أعم من الوجهين بأن يدل على مطلق الرجحانية فالإيراد على حاله إذ المفروض كون الألفاظ المفروضة مفيدة لذلك أيضا وقد وقع ذلك كثيرا في الأدلة الشرعية خامسها أنها لو كانت موضوعة لخصوص الصحيحة لزم دخول وصف الصحة في مفاهيمها وهو بين الفساد لظهور كونها من عوارض وجودها في الخارج ويدفعه أنه ليس المقصود أخذ مفهوم الصحة في مداليل تلك الألفاظ حتى يرد ما ذكر بل المدعى كون الموضوع له هو الأفعال الجامعة للأجزاء والشرائط وهي من شأنها الاتصاف بالصحة عند وجودها في الخارج ولا يلزم من ذلك أخذ مفهوم الصحة في الموضوع له مطلقا فضلا عن أخذها بعنوان الجزئية كما توهم في الاحتجاج والتعبير عن المدعى بأن تلك الألفاظ موضوعة للصحيحة إنما أريد به ما ذكرنا يجعل الصحيحة عنوانا لتلك الماهية المستجمعة للأجزاء والشرائط سادسها أنها لو كانت موضوعة للصحيحة لزم دخول الشرائط في مفاهيم تلك العبادات فلا يبقى فرق بين أجزائها وشرائطها لاندراج الجميع إذن في مفاهيمها وهو فاسد بالإجماع وقد أشار إلى ذلك العضدي وهو كسابقه في غاية الوهن للفرق البين بين أخذ الشيء جزءا من المفهوم وقيدا فيه على أن يكون القيد خارجا والتقييد داخلا وأقصى ما يلزم في المقام هو الثاني والفرق بينه وبين الجزء في كمال الوضوح وإن اشتركا في لزوم الانتقال إليهما عند تصور المفهوم على سبيل التفصيل وبذلك يفترق الحال بينها وبين الشرائط العقلية الخارجية مما لا يمكن حصول المطلوب في الخارج إلا بها حيث إنه لا يلزم الانتقال إليها من تصور المشروط بها أصلا بل يمكن أن يقال إن الحال فيها أيضا كذلك إذ لا يلزم من القول بوضعها للصحيحة ملاحظة الشرائط أصلا ولو بكونها قيدا في الموضوع له إذ قد يكون الملحوظ في الوضع هو تلك الأجزاء من حيث كونها حسنة مطلوبة أو من حيث كونها صحيحة مبرئة للذمة ونحو ذلك فغاية الأمر حينئذ أن لا يمكن وقوعها في الخارج إلا مع استجماعها للشرائط ولا ربط لذلك بالانتقال إلى الشرائط بتوسطها ثم إنه قد أيد بعض الأفاضل هذا القول بأمور منها اتفاق الفقهاء على أن أركان الصلاة هي ما يبطل الصلاة بزيادتها عمدا أو سهوا ومن البين أنه لا يمكن زيادة الركوع مثلا عمدا إلا عصيانا ولا ريب في كونه منهيا عنه ومع ذلك يعد ركوعا حقيقة لا صورة الركوع لوضوح عدم بطلان الصلاة بإيجاد الصورة كمن انحنى بمقدار الركوع للهوى إلى السجود أو لأخذ شيء من الأرض وفيه خروج نحو الركوع والسجود عن محل البحث لكونه من الألفاظ اللغوية وليس معانيها من الماهيات الجعلية الشرعية كما أشرنا إليه في أول المسألة ولو سلم كونها من المعاني المستحدثة فليست الألفاظ المذكورة من أسامي العبادات وإنما هي أسامي لأجزاء العبادات ومن البين أنه لا يتعلق هناك أمر بالخصوص حتى يعتبر فيها الصحة والفساد واعتبار الأمر المتعلق بالكل في أوضاع تلك الأجزاء مما يستبعد جدا ومع الغض عنه فعدم اعتباره هناك لا يفيد اعتباره في محل البحث مع الفرق البين بينهما ومنها ما روي في الصحيح من بناء الإسلام على خمس الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية قال عليه السلام ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع وتركوا هذا يعني الولاية فحكمه عليه السلام بأخذهم بالأربع مع ما ثبت من فساد عباداتهم لا يتم إلا مع جعل تلك العبادات أسامي للأعم وفيه ما عرفت من الفرق بين مفهوم الصلاة وما أخذ من التفاصيل من مصاديقها ففساد عباداتهم من جهة انتفاء شرط الولاية أو غيره من ترك بعض الأجزاء والشرائط لا يقضي بعدم أخذهم بتلك العبادات بل واعتقادهم بناء الإسلام عليها بل وإتيانهم بها ومواظبتهم عليها على حسب معتقدهم وإن أخطئوا في كيفية أدائها ولا دلالة في حكمه عليه السلام بأخذهم بها على ما يزيد على ذلك بل نقول إن الظاهر من الرواية إرادة خصوص الصّحيحة لوضوح عدم بناء الإسلام على الفاسدة إذ هي من الأمور المحرمة التي نهي عنها في الشريعة وأراد الشارع عدم وقوعها فكيف يصح القول بابتناء الإسلام عليها فذلك من أقوى الشواهد على إرادة الصحيحة منها فهي إذن لتأييد القول بوضعها للصحيحة أولى كما لا يخفى ومنها أنه لا إشكال عندهم في الصحة اليمين على ترك الصلاة في مكان مكروه أو مباح مثلا وحصول الحنث بفعلها ويلزم على ذلك المحال لأنه يلزم من ثبوت اليمين حينئذ نفيها فإن ثبوتها يقتضي كون الصلاة منهيا عنها والنهي في العبادة مستلزم للفساد كونها فاسدة يستلزم عدم تعلق اليمين بها إذ المفروض تعلقها بالصّحيحة فيلزم حينئذ أن لا يتحقق الحنث بفعلها لعدم تحقق الصلاة الصحيحة والقول بأن المراد الصلاة الصحيحة لولا اليمين لا يجعلها صحيحة في نفس الأمر كما هو المدعى وفيه أن مبنى الكلام المذكور على لزوم استعمال الصلاة في المقام في الأعم لعدم إمكان إرادة الصحيحة وإلا لزم الفساد المذكور حينئذ يرد عليه أولا النقض بما إذا حلف أن لا يصلي واجبة أو مندوبة في الحمام مثلا إذ من البين الواضح عدم شمول الواجب والمندوب للفاسد بل فيما لو نذر أن لا يصلي صلاة صحيحة فيه فإنه إن قيل بصحة صلاته فيه بعد ذلك وعدم انعقاد النذر فهو مما لا وجه له على أنه جار في نذر المطلق أيضا فلا مانع إذن من التزام القائل بوضعها للصحيحة بذلك وإن قيل بعدم صحتها نظرا إلى انعقاد النذر فكيف يتحقق الحنث مع أن الواقع ليس من أفراد المحلوف على تركه وثانيا أن متعلق الحلف
هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 111 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني