Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 102

Contributors:

P.102
مع صحة الإخبار بها بحسب العرف من غير إشكال ولا زال بعضهم يخبر عن بعض بما ذكر فظهر من جميع ما ذكر أن التبادر المدعى ليس من جهة الوضع وإنما هو من جهة قضاء خصوص المقام أو ظهور الإطلاق فيه في بعض المقامات والجواب عنه أن مجرد الاحتمال كون التبادر المذكور ناشئا من الخارج غير رافع للاستدلال إذ لو كان انفتاح أبواب الاحتمالات باعثا على المنع من الأخذ بالظاهر في مباحث الألفاظ لانسد إثبات الأوضاع بالتبادر أو غيره في سائر المقامات وظاهر الحال هنا استناد التبادر إلى نفس اللفظ إذ ليس ذلك من جهة شيوع الصحيحة إذ الفاسدة أكثر منها أو كثير ولا من جهة شيوع استعمالها فيها إذ قلة استعمالها في الفاسدة على فرضها بحيث يوجب صرف الإطلاق عنها لو كانت حقيقة فيها غير ظاهر لإطلاقها كثيرا على الفاسدة أيضا ولا من جهة انصراف المطلوب إلى الفرد الكامل وإلا لانصرفت إلى الفرد الكامل الجامع لمعظم الآداب والمندوبات ومن البين خلافه ودعوى بعض الأفاضل انصراف الإطلاق إليها غريب فدوران الانصراف مدار الصحة شاهد على استناده إلى نفس اللفظ وما توهم من انتقاض ذلك بسائر العقود والإيقاعات لانصرافها أيضا إلى الصحيحة على أنها موضوعة للأعم فهو على إطلاقه ممنوع والقول بوضعها للأعم مطلقا غير مسلم أيضا وإن لم تكن موضوعة لخصوص الشرعي كما سنبين الحال فيها إن شاء الله تعالى ثم إن ما ذكر من عدم انصراف الألفاظ المذكورة في الأمثلة المفروضة إلى الصحيحة مع الخلو عن القرينة ممنوع بل الظاهر خلافه وتوضيح ذلك أن الصلاة مثلا إنما وضعت للأفعال المعهودة المتكررة في اليوم والليلة المطابقة لأمره تعالى لكن حصل هناك اختلاف في تعيين مصداقها فهو في كل من المذاهب والآراء شيء غير ما يقوله الآخر بل القائلون على مذهب واحد يختلف الحال فيهم من جهة المعرفة بالأحكام وتأدية القراءة والأذكار الواجبة وغيرها كما يشاهد ذلك في صلوات الأعوام وكل يعتقد أن ما يؤديه مصداق لتلك الماهية الصحيحة المطلوبة لله تعالى مع ما بينها من الاختلاف الفاحش بل لا يبعد القول بكون اختلاف صلاة اليهود والنصارى للصلاة الثابتة عندنا من هذا القبيل أيضا كما مرت الإشارة إليه فإن المفهوم الإجمالي المفروض في وضع الصلاة صادق عليها أيضا حال صحتها غير أن النسخ الطاري عليها أخرجها من ذلك المفهوم من غير جهة طريان الفساد عليها وارتفاع الأمر بها فلفظة الصلاة مستعملة في معنى واحد وكل يطلقها على المصداق الثابت عنده لاعتقاد مطابقة تلك الطبيعة وإطلاق كل من الفرق تلك على ما هو باطل عنده صحيح عند غيره يصح من جهة تبعيّة له كما أنه يصح التبعية في الوضع من غير لزوم تجوز ليصح بملاحظة ذلك إطلاق الصلاة على الصحيحة عندنا وعلى الصحيحة عند سائر الفرق من المخالفين كالنواصب والخوارج بل اليهود والنصارى إلا أن صدقها على الواقعة من الفرقة المحقة المطابقة لأمره تعالى واقعي وعلى غيرها من جهة التبعية المعتقدة وكذا الحال في كل فرقة بالنسبة إلى ما يعتقده ذلك فإن إطلاق اللفظ عليه بملاحظة الواقع وعلى ما يعتقده غيره من جهة تبعية له من غير لزوم تجوز في اللفظ إذ المفروض استعماله فيما وضع له أعني تلك العبادة الصحيحة وإطلاقه على المصداق المعين من جهة حصولها فيه واقعا أو في اعتقاد عاملها تبعا لما يعتقده وهذه التبعية وإن كانت خلاف الظاهر أيضا إلا أن في الأمثلة المذكورة قرينة عليه فإن نسبة الصلاة فيها إلى أشخاص معينة تفيد إيقاعها على ما هو معتقدهم فإنه لما اختلف الآراء في تعيين تلك الطبيعة واختلف الأشخاص في أدائها فحيث إنه نسب إلى شخص فإنما ينصرف إلى تلك العبادة المأتي بها على حسب معتقد الفاعل سواء كان من أهل الحق أو من سائر الفرق حتى اليهود والنصارى والحاصل أنها تنصرف حينئذ إلى الأفعال المعهودة مما يعتقد الفاعل كونه مصداقا للصلاة المطلوبة ولذا يصح أنه يقال ما صلى إذا صلى صلاة فاسدة باعتقاده كأن صلى مع الحدث عالما عامدا وكذا ما إذا أتى المسلم بصلاة اليهودي والنصارى بخلاف ما إذا أتوا بها وليس ذلك إلا من جهة كون النسبة قرينة على إطلاقها على الصحيحة في نظر الآتي بها ومن هذه الجهة ألا يصح سلبها مع أدائه لها كذلك وكذا الحال في سائر العبادات وأما ما ذكر من عدم صحة الإخبار بأدائه لتلك الأفعال إذا لم يعلم صحتها بالخصوص فأوهن شيء إذ مبنى الأخبار المذكورة شرعا وعرفا على ظاهر الحال وسيجيء إن شاء اللّه ما يزيد المقام توضيحا فتأمل الثاني صحة السلب فإنه يصح سلب كل من العبادات من الفاسدة فيصح أن يقال لمن صلى مع الحدث متعمدا أو بدون القراءة كذلك إنه لم يصل حقيقة وإنما وقع منه الصورة وكذا الحال في غيرها من الوضوء والغسل والتيمم ونحوها وصدق تلك العبادات على الفاسدة منها ليس إلا من جهة المشاكلة وإلا فصحة السلب عنها عند التأمل في العرف ظاهر وذلك دليل على عدم كون الفاسدة من الأفراد الحقيقة لها فلا يكون أسامي لما يعمها فينحصر الأمر في كونها أسامي لخصوص الصحيحة منها وهو المدعى ويمكن أن يقرر ذلك بوجه آخر بأن يستند إلى عدم صحة السلب بناء على ما تقرر فيما مر من كون عدم صحة السلب على بعض الوجوه مثبتا لنفس الموضوع له ابتداء دون مصاديقه الحقيقية وذلك بأخذ الحمل ذاتيا لا متعارفيا وأخذ معنى اللفظ في الموضوع أو المحمول على جهة الإجمال فإنه إذا لم يصح سلب الحيوان الناطق عن الإنسان أو سلب الإنسان عنه بحسب العرف دل على أن ذلك هو معناه ضرورة صحة سلب كل مفهوم عن مفهوم مغاير له على الوجه المذكور وإن اتحدا في الصدق وبهذا الوجه يصح سلب الخاص عن العام وبالعكس تقول الحيوان ليس بإنسان والإنسان ليس بحيوان وإن لم يصح ذلك بحسب الحمل الشائع فنقول في المقام إنه إذا أخذت الماهية مستجمعة لجميع الأجزاء والشرائط المعتبرة في صحتها فلا يصح سلب الصلاة عنها بالمعنى المذكور في عرف المتشرعة كما لا يخفى على من أجاد التأمل في ملاحظة عرفهم فيكون ذلك هو عين معناها والجواب عن ذلك بمنع الدعويين المذكورتين فالقول بعدم صحة السلب على الوجه الأول وصحته في الثاني كما ترى إذ من أمعن النظر في العرف يجد الأمر على ما ذكرناه والثالث ظواهر الآيات والأخبار كقوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقوله عز وجل إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقوله عليه السلام الصلاة عمود الدين والصلاة قربان كل تقي والصوم جنة من النار والصوم لي إلى غير ذلك من الأخبار المتكثرة جدا الواردة في الأبواب المتفرقة فإن حمل تلك المحمولات على مطلق الصلاة معرفا باللام ظاهر جدا في أن الطبيعة المقررة من الشارع المحدثة منه هي المتصفة بذلك لا أن نوعا منها كذلك والبواقي أمور محرمة متصفة بما يضاد الصفات المذكورة كالزنا والسرقة فإنه في غاية البعد عن ظواهر تلك التعبيرات الواردة في تلك الآيات